2026-09-14 - الإثنين
مصرع شخصين وإصابة 90 آخرين إثر تسرب غاز في العراق إجلاء أكثر من 31 ألف شخص بسبب أمطار غزيرة في هاينان الصينية أستراليا تسجل أول إصابة بإنفلونزا الطيور لدى أسد بحر كوريا الجنوبية تستضيف اجتماعًا وزاريًا مع دول آسيا الوسطى مدير عام الجمارك الأردنية يزور مصابي حادث المكلفين بخدمة العلم...صور ميادة شريم.. حضور إنساني لا يحتاج إلى إذن، والمرأة الأردنية شريكة في صناعة الحل الأمن العام يُشارك بتشييع جثمان الوكيل زياد عبد الرحمن عبابنة مدير عام الخدمات الطبية الملكية يستقبل السفير المصري لدى المملكة….صور تمرين ميداني يحاكي الواقع لتعزيز جاهزية المشاركين في دورة عمليات دوريات الحدود الشوابكة رئيسًا تنفيذيًا للشركة المتكاملة للدفع الإلكتروني بموافقة البنك المركزي الأردني بتنظيم مشترك بين القنصلية الصينية و”يونا” و”شينخوا” :ندوة إعلامية صينية سعودية تبحث تعزيز التعاون الإعلامي وتبادل الخبرات وفاة العقيد المتقاعد المهندس محمد علي الرفاعي «أبو أسامة» الرئيس السوري يستعرض مع وزير الخارجية التركي المستجدات الإقليمية الحاج عواد لافي الحلبا الحماد شقيق الدكتور خلف الحلبا الحماد في ذمة الله . شارع الملك طلال.. الروح التي صنعت عمان والذاكرة الوطنية الصامدة عبر العقود. الخضري والعوران نسايب... صور وفيديو مجلس التطوير التربوي في مديرية التربية والتعليم للواء الموقر يعقد اجتماعه الأول لعام 2026 الملك ورئيس دولة الإمارات يعقدان مباحثات في أبوظبي الحيصة تكتب لا زال هنالك أملٌ لِتحيا. من السعودية إلى العالم .. منار العمران ترسم ملامح قوة صناعية سعودية جديدة بإستثمارات تتجاوز (1.2 ) مليار ريال
وفاة العقيد المتقاعد المهندس محمد علي الرفاعي «أبو أسامة» الحاج عواد لافي الحلبا الحماد شقيق الدكتور خلف الحلبا الحماد في ذمة الله . وفاة رافع حمد عيد الجبور «أبو سيف» عن عمر 47 عاماً اللواء الركن المتقاعد عدنان الرقاد يعزي ذوي ضحايا حادث الطريق الصحراوي ويتمنى الشفاء للمصابين وفاة إبراهيم عمر البحري أبو ورد وفاة الشاب حمزة محمد مبارك البقور العبادي إثر حادث سير مؤسف رحيل فارس حوران إسماعيل محمود الطحلاوي بني عامر.. تبنة تنعى أحد رجالاتها الكبار وفاة الحاجة غدفة ناصر البخيتان البدارين «أم خالد».. والدفن بعد صلاة العصر في ثغرة الجب رئيس تعاونية المتقاعدين العسكريين بني حميدة يعزي بضحايا حادث حافلة مكلفي خدمة العلم وفاة العميد المتقاعد إسماعيل محمود الطحلاوي بني عامر "أبو محمود" أحمد البطوش ينعى أبناء الوطن من مكلفي خدمة العلم وفاة رياض إسحق إبراهيم المساعفة.. الحزن يخيم على الزرقاء إثر وفاة موسى محمد عبد القادر عصفور وفاة محمد عبيد عودة الجبور «أبو ماجد».. وشيع جثمانه اليوم في أم بطمة وفاة الحاج خالد عودة الحماد.. وتشييع جثمانه اليوم في مغاير المهنا وفاة الشاب نضال وحيد الأدهش المعايطة «أبو أصيل».. صاحب الدين والخلق والنخوة وفاة الحاج عودة سالم المناصير ابو راضي عشائر عباد تشكر جلالة الملك وسمو ولي العهد والأمير هاشم بن الحسين والأسرة الأردنية على تعزيتهم ومواساتهم وفيات الاردن اليوم الأحد 2026/9/6 وفاة الحاج فارس أبو العز في العقبة.. سيرة عطرة وحضور دائم في بيوت الله

الشيخ ساري الحسين العلي الحمادنة..سيرة رجل من رجالات عقربا وذاكرة حية من تاريخ الوطن

محمد محسن عبيدات
نيروز الإخبارية :

الشيخ ساري الحسين العلي الحمادنة..سيرة رجل من رجالات عقربا وذاكرة حية من تاريخ الوطن

نيروز – محمد محسن عبيدات 

تحتفظ بلدة عقربا، إحدى بلدات منطقة الكفارات في لواء بني كنانة، بذاكرة غنية تختزن أسماء رجال تركوا حضورهم في تاريخ المكان، وارتبطت سيرهم بمحطات مهمة من تاريخ الأردن وبلاد الشام. وفي مقدمة هذه الأسماء يبرز الشيخ ساري الحسين العلي الحمادنة، الذي عاش في مرحلة تاريخية شديدة التعقيد، شهدت نهاية العهد العثماني، والتحولات السياسية والعسكرية التي أعقبت الحرب العالمية الأولى، وصعود الحركات الوطنية والقومية، ومواجهة الانتداب البريطاني والفرنسي في بلاد الشام.

وينتمي الشيخ ساري إلى عشيرة الحمادنة في عقربا، وهي إحدى عشائر منطقة الكفارات، وقد توارث أبناء العشيرة رواية متصلة أن جذور الحمادنة تعود إلى آل رشيد، حكام جبل شمر وحائل، من الضياغم من قبيلة شمر، المعروفة بأسماء الطنايا والسناعيس. وكان هذا الأصل الشمري جزءًا من الهوية التي اعتز بها أبناء الحمادنة.

وقد حمل الشيخ ساري في شخصيته جانبًا من القيم التي ارتبطت برجال العشائر في تلك المرحلة؛ من الشجاعة والكرم والنجدة والوفاء وإصلاح ذات البين، إلى جانب الحضور الاجتماعي والقدرة على تحمل المسؤولية والوقوف إلى جانب أهله وقومه.

ولم تكن حياة الشيخ ساري مجرد سيرة شخصية لرجل من رجال عقربا، وإنما كانت انعكاسًا لمرحلة كاملة من تاريخ المنطقة؛ مرحلة كان فيها الرجل العشائري يحمل أكثر من مسؤولية في الوقت نفسه، فيكون فارسًا عند الحاجة، وشيخًا في قومه، ووسيطًا في الخصومات، وحاميًا لأهله، ومشاركًا في القضايا الوطنية التي تتجاوز حدود القرية والعشيرة.

وُلد الشيخ ساري الحسين العلي الحمادنة في ربيع عام 1892م، ونشأ في بيئة عربية أصيلة كانت قيم الشهامة والكرم وإغاثة الملهوف وإصلاح ذات البين واحترام الضيف والوفاء بالعهد من أبرز ركائزها. وفي تلك البيئة تشكلت شخصيته، فشبّ معتزًا بانتمائه إلى أهله وأرضه، متمسكًا بالعادات والتقاليد الحميدة، ومستمدًا جانبًا مهمًا من منظومته الأخلاقية من تعاليم الإسلام الحنيف.

وقد امتدت حياته حتى صيف عام 1976م، فشهد خلال ما يقارب ثمانية عقود أحداثًا وتحولات سياسية واجتماعية وعسكرية كبرى، من أواخر العهد العثماني إلى مرحلة تأسيس الدولة الأردنية وتطورها، مرورًا بأحداث الحرب العالمية الأولى وما تلاها من صراعات ومقاومات وطنية وقومية في بلاد الشام.

العلم والمعرفة.. بداية مبكرة في بناء الشخصية

على الرغم من أن الشيخ ساري عاش في زمن لم تكن فيه فرص التعليم متاحة على نطاق واسع، فإنه حرص في شبابه على طلب العلم، فتلقى علوم القرآن الكريم على يد الشيخ المرحوم محمود العمري في بلدة حرثا.

وكان لهذا التعليم المبكر أثر واضح في تكوين شخصيته، إذ لم يكن العلم بالنسبة إليه مجرد معرفة دينية، بل كان أساسًا لبناء السلوك وترسيخ القيم، وهو ما انعكس لاحقًا في علاقته بالناس وفي نظرته إلى المسؤولية والواجب والإصلاح.

وفي وقت مبكر من حياته، دخل الشيخ ساري تجربة مختلفة تمامًا، حين التحق بخدمة الجيش العثماني خلال الفترة الممتدة بين عامي 1908 و1911م. وهناك تلقى العلوم والتدريبات العسكرية، واكتسب خلال تلك المرحلة خبرات واسعة في ميادين الانضباط والقيادة والرماية والشجاعة وتحمل المسؤولية.

وكانت هذه التجربة العسكرية محطة أساسية في بناء شخصيته؛ فقد أتاحت له الاحتكاك برجال من مناطق مختلفة، وأكسبته معرفة بأساليب التعامل مع السلاح والانضباط العسكري، كما عرّفته على طبيعة الحياة العسكرية وظروفها الصعبة.

وتشير الرواية المتوارثة في ذاكرة أبناء المنطقة إلى أن الشيخ ساري شارك خلال خدمته العسكرية في مهام مرتبطة بترسيم الحدود بين الدولة العثمانية وبلغاريا، وأنه تعرض خلال إحدى المواجهات العسكرية لإصابات بالغة، فأصيب بعيار ناري في منطقة الحنجرة، كما أصيب بعيار آخر في ساقه أدى إلى كسرها.

ونتيجة لهذه الإصابات نُقل إلى أحد المستشفيات الحكومية العثمانية في إسطنبول عام 1911م، حيث بقي عدة أشهر تحت العلاج، قبل أن يغادرها عائدًا إلى أرض الوطن.

وتروي الذاكرة العائلية أن عودته من إسطنبول كانت حدثًا مهمًا لأبناء عقربا؛ إذ استقل القطار من إسطنبول متوجهًا إلى محطة وادي خالد على نهر اليرموك في منطقة زور الغيلانة، وما إن وصل الخبر إلى أهله حتى هب أبناء البلدة لاستقباله، في مشهد يعكس المكانة الاجتماعية التي كان يحظى بها الشاب العائد من تجربة عسكرية بعيدة، وقد حمل معه آثار الجراح والتجربة والخبرة.

كونة المناظرة.. الشيخ ساري في مواجهة أحد أبرز صراعات المنطقة

من المحطات التي ارتبطت باسم الشيخ ساري الحسين الحمادنة ما عُرف في الذاكرة المحلية بـ «كونة المناظرة» أو «حرابة المناظرة»، وهي من الوقائع التي ارتبطت بالصراع على الأراضي والمراعي المحيطة بنهر اليرموك.

وتعود جذور هذا التنافس، بحسب الرواية المتوارثة، إلى مطلع القرن التاسع عشر، حين شكلت الأراضي والمراعي المحيطة بنهر اليرموك مصدرًا للخلاف بين عشيرة العبيدات في الجانب الأردني وعشيرة المناظرة في الجانب السوري. وكانت أراضي ضفتي النهر تُنسب ملكيتها إلى المناظرة، قبل أن تنتقل السيطرة على الأراضي الواقعة في الضفة الجنوبية إلى عشائر منطقة الكفارات.

وفي أواخر عام 1911م تصاعد الخلاف بصورة كبيرة، وكان زعيم المناظرة محسن أبو حسين، المعروف بزعيم الحشيش، يهدد بكسر شوكة العبيدات، ويردد، وفق الرواية الشعبية: «والله لأشرب دلال قهوتي من عين التراب».

وجاءت الشرارة المباشرة للصدام بعد مقتل شابين من آل سعد الدين العبيدات من قرية الرفيد على يد مجموعة من المناظرة، الأمر الذي أثار أبناء المنطقة، ودفع إلى التحضير لهجوم واسع على قرى المناظرة.

وتولى الشيخ عزام الجبر العبيدات قيادة الهجوم والتنسيق بين فرسان قرى الكفارات، فقُسمت القوة إلى مجموعات، تحركت عبر أكثر من محور؛ فرسان حرثا وحبراص عبر شعب اللحم، وفرسان يبلا والرفيد عبر وادي الحبيس، وفرسان كفرسوم وعقربا عبر جسر أبو الفش، إلى جانب مشاركة أبناء العبيدات المقيمين في الشجرة والقصير من الجهة الأخرى.

وفي خضم هذه التطورات، وصل إلى الشيخ ساري الحسين الحمادنة، الذي كان من زعماء قرية عقربا، خبر يفيد بأن رجال المناظرة يتجمعون لعبور جسر أبو الفش باتجاه الأراضي الواقعة بين نهر اليرموك وسكة حديد الحجاز.

فاستنهض الشيخ ساري فرسان عقربا، وامتطى فرسه «فرحى»، وانطلق ومعه شقيقاه الشيخ محمد الحسين والشيخ سالم الحسين، وحمادة الرحيل الحمادنة، وأحمد السليمان الحمادنة، وآخرون من رجال البلدة.

وعندما وصلوا إلى موقع المواجهة على الطرف الآخر من النهر، وقف الشيخ ساري في مواجهة رجال المناظرة، ملوحًا ببندقيته وقنابله اليدوية، وقال لهم، وفق الرواية العائلية المتوارثة:

«إحنا آل رشيد الضيغم راس شمر،

احنا الطنايا السناعيس

ولنا ردّتين: ردّة عالسيف، وردّة عالضيف،

واليوم يوم ردّة السيف.

واللي يقرّب من الجسر، أفجّر الجسر به وباللي عليه »

فتراجع رجال المناظرة باتجاه قرية كويا السورية، وبقيت الأراضي الواقعة بين النهر وسكة الحديد موضع استغلال أبناء الشيخ ساري الحسين، وفق ما تناقلته الرواية العائلية.

ثم وصلت مجموعات أخرى من فرسان الكفارات، وعبرت القوة النهر، ونُفذ الهجوم على قرى المناظرة وفق الخطة المرسومة. وتروي الرواية أن عددًا من رجال المناظرة فروا، فيما احتمى آخرون بالكهوف والمنازل، وحاولت النساء منع اقتحام بعض الأماكن بالاستغاثة بعبارة: «العِرض يا عبيدات».

وفي خضم هذه الأحداث، قال أحد شعراء بني منظور بيت الشعر التالي:

«راح لمصوّت ع الرفيد يا عقربا وش دخّلك»

وانتهت المواجهة بخسائر كبيرة للمناظرة في الأرواح والممتلكات، وكان من بين القتلى أحد أبناء زعيم الحشيش محسن أبو حسين، كما أُحرقت منازل وسِيقت مواشٍ، واقتيد بيت شعر محسن أبو حسين ودلال قهوته وجثة ابنه إلى منطقة الكفارات.

وتروي الرواية الشعبية أن العبيدات وشركاءهم أقاموا بيت شعر محسن أبو حسين قرب عين التراب مدة أسبوعين احتفالًا بالنصر، وأقيمت وليمة كبيرة لمشايخ وزعامات عشائر شمال الأردن من المواشي التي سِيقت من المنطقة، وأن التهديد السابق لزعيم المناظرة تحقق بصورة رمزية، حين مُلئت دلال قهوته من مياه عين التراب.

وأثارت الواقعة اهتمامًا واسعًا في حوران وولاية الشام، فتدخلت الإدارة العثمانية بقواتها للسيطرة على الوضع وملاحقة رجال الكفارات، ما دفع عددًا منهم إلى مغادرة قراهم واللجوء إلى مناطق أخرى، ومنها ملكا ودوقرة.

وتحفظ الذاكرة الشعبية كذلك قصة نزول نحو ثلاثين فارسًا من رجال العبيدات في دوقرة، حيث استضافتهم عشيرة الشلول قرابة شهر، كما ارتبطت الواقعة بقصيدة «العبيدات» التي نظمها شاعر دوقرا تخليدًا لتلك المرحلة.

وعادت حالة الهدوء إلى المنطقة لاحقًا بعد تدخل الشيخ قويدر سليمان العبيدات ودفع مبلغ كبير إلى والي الشام، لتنتهي بذلك واحدة من أشد مراحل الصراع بين عشائر الكفارات والمناظرة.

وفي هذه الأحداث يظهر الشيخ ساري بوصفه أحد رجال المرحلة الذين لم تكن القيادة بالنسبة لهم لقبًا، وإنما موقفًا يتحمل صاحبه مسؤوليته في لحظة الخطر.

مؤتمر قم.. قرار وطني يتجاوز حدود القرية

في السادس من نيسان عام 1920م، كان الشيخ ساري الحسين العلي الحمادنة حاضرًا في محطة أخرى من محطات التاريخ الوطني، حين شارك إلى جانب والد زوجته الشيخ الشهيد كايد المفلح عبيدات في مؤتمر قم الذي عُقد في ديوان ناجي العزام في بلدة قم.

وكان المؤتمر في مرحلة تاريخية دقيقة، شهدت تصاعد التحديات التي واجهت المنطقة بعد الحرب العالمية الأولى، وفي ظل التحولات السياسية والعسكرية التي أعادت رسم خريطة بلاد الشام. وكان من نتائج المؤتمر تشكيل قوة عسكرية من عشائر شمال الأردن بقيادة الشيخ كايد مفلح عبيدات لمهاجمة القوات البريطانية في منطقة تلال الثعالب شمال فلسطين، والتي كانت تعمل على تأسيس وطن قومي لليهود في فلسطين.

وهنا يتضح أن حضور الشيخ ساري لم يكن مجرد حضور اجتماعي، بل ارتبط بقرار جماعي شاركت فيه عشائر المنطقة، انطلاقًا من إدراكها لحجم التحولات التي كانت تجري حولها. وقد شكلت هذه المرحلة انتقالًا من العمل العشائري المحلي إلى الانخراط في قضية أوسع، هي قضية الدفاع عن الأرض ومواجهة المشاريع الاستعمارية التي كانت تتشكل في فلسطين وبلاد الشام.

تلال الثعالب.. شجاعة المقاتل ووفاء الرجل

بعد نحو أسبوعين من مؤتمر قم، وتحديدًا في 20 نيسان 1920م، شارك الشيخ ساري الحسين الحمادنة وشقيقه الشيخ محمد الحسين الحمادنة في معركة تلال الثعالب في سمخ تحت قيادة والد زوجته الشهيد الشيخ كايد المفلح عبيدات.

وكانت المعركة من المحطات التي بقيت حاضرة في الذاكرة المحلية، لما شهدته من مواجهة عسكرية عنيفة وقصف جوي بريطاني.

وتروي الرواية أن الشيخ ساري كان قريبًا من الشيخ كايد مفلح عبيدات أثناء المعركة، عندما تعرضت مقدمة القوة لقصف شديد من الطائرات البريطانية، أدى إلى استشهاد قائدها الشيخ كايد وعدد من رفاقه، ووقع شقيقه الشيخ محمد الحسين عن ظهر فرسه وهو ينادي ساري... ساري ليتأكد أنه على قيد الحياة.

وبعد استشهاد الشيخ كايد مفلح عبيدات، وبسبب شدة القصف الذي تعرضت له القوة الأردنية من القوات والطائرات البريطانية، اضطرت القوة إلى التراجع واللجوء إلى الحمة الأردنية.

غير أن قصة الشيخ ساري لم تنته عند الانسحاب؛ إذ عاد في الليل برفقة الشيخ تركي كايد مفلح عبيدات إلى أرض المعركة، وتمكنا من الوصول إلى جثمان الشهيد الشيخ كايد مفلح عبيدات، وحملاه وعادا به إلى بلدة كفرسوم.

وكانت عودة الجثمان في تلك الظروف الصعبة فعل وفاء وشجاعة، ورسخت في ذاكرة أبناء المنطقة صورة الشيخ ساري باعتباره رجلًا لم يترك رفيقًا أو قريبًا في أرض المعركة، ولم يتخل عن مسؤوليته حتى بعد انتهاء المواجهة.

وقد ترك استشهاد الشيخ كايد أثرًا بالغًا في نفس الشيخ ساري، ليس فقط لأنه كان قائد المعركة، بل لأنه كان والد زوجته ورفيقًا في طريق طويل من المواقف الوطنية والاجتماعية.

من الشراكة في الميدان إلى رابطة الأسرة

كانت علاقة الشيخ ساري الحسين الحمادنة بالشيخ كايد مفلح عبيدات أعمق من علاقة المصاهرة وحدها، فقد جمعتهما روابط قوية في المواقف والقيادة والقضايا الاجتماعية والوطنية.

وشكلت هذه العلاقة القوية الأساس لزواج الشيخ ساري من زوجته الأولى فاطمة كايد مفلح عبيدات.

وبعد وفاتها، تزوج من ابنة أخيها زكية أحمد كايد مفلح عبيدات، وهي ابنة صديقه رفيق الشباب والمغامرات والبطولات، لتتواصل بذلك صلات المودة والمصاهرة بين الأسرتين.

وتكشف هذه الزيجات عن طبيعة العلاقات الاجتماعية التي كانت تربط بيوت الزعامة والمكانة في تلك المرحلة، حيث كانت المصاهرة امتدادًا للثقة والصداقة والشراكة في المواقف، وليست مجرد رابطة عائلية.

محاولة اغتيال الجنرال هنري غورو

من أبرز المحطات التي ارتبط اسم الشيخ ساري بها في الذاكرة الوطنية والقومية محاولة اغتيال الجنرال الفرنسي هنري غورو، قائد القوات الفرنسية في سوريا ولبنان.

وتعود خلفية هذه العملية إلى مرحلة اضطراب الأوضاع في دمشق بعد نزوح الملك فيصل، وما رافقها من تحولات سياسية وعسكرية عقب فرض الانتداب الفرنسي على سوريا.

وفي تلك المرحلة لجأ المجاهد والثائر السوري أحمد مريود مع عائلته ورجاله إلى الشيخ تركي كايد مفلح عبيدات في بلدة كفرسوم شمال الأردن.

وكان أحمد مريود، خلال تنقله بين سوريا وكفرسوم، يحل كذلك عند الشيخ ساري الحسين الحمادنة في بلدة عقربا، بحكم صلة المصاهرة بين الشيخ ساري والشيخ تركي، وبحكم موقع عقربا الذي كان محطة مناسبة للاستراحة والحماية والتزود بالطعام وإطعام الخيل.

ومع تكرار هذه اللقاءات، توثقت العلاقة بين أحمد مريود والشيخ ساري، كما نشأت صلة بينهما وبين أدهم خنجر من بكوات آل الصعبي، حكام الشقيف في جنوب لبنان.

وبعد معركة ميسلون واستشهاد الوزير يوسف العظمة، قرر أحمد مريود الانتقام ومحاولة اغتيال الجنرال هنري غورو.

وكان مريود يعرف مهارة الشيخ ساري في استخدام السلاح، وهي المهارة التي اكتسبها خلال خدمته العسكرية في الجيش العثماني، ولذلك طلب منه تجهيز سلاحه للمشاركة في العملية التي كانت تُعد لها مجموعة من المقاتلين.

وفي تلك الفترة وصل إلى أحمد مريود خبر يفيد بأن غورو سيزور القنيطرة في الجولان يوم 23 حزيران/يونيو 1921م، بدعوة من الأمير محمود الفاعور ومشايخ عشائر الفضل والشيخ نواف الشعلان.

وضع أحمد مريود خطة العملية وقُسمت القوة إلى مجموعات، بحيث تولت مجموعة مهمة الإنذار، فيما تولت مجموعة أخرى مهمة الاقتحام، إضافة إلى مجموعة حماية.

وضمت مجموعة الإنذار خليل مريود، ومحمود حسن، وشريف شاهين البعلبكي، بينما ضمت مجموعة الاقتحام أبو دياب محمود البرازي، وساري الحسين من عقربا، ومحمد ظاهر من شبعا.

أما مجموعة الحماية فضمت ثلاثة مقاتلين، عُرف منهم عبدالهادي الحماد من حوران، فيما كُلف خال أحمد مريود، أحمد الخطيب، بالإشراف على تنفيذ العملية.

غادرت القوة كفرسوم باتجاه عقربا، وعبرت نهر اليرموك من جسر أبو الفش، ثم باتت ليلتها في منطقة الزوية، قبل أن تتجه إلى مزرعة أوفانه، الواقعة شمال غربي قرية خان أرينيه، على مسافة تقارب ثلاثة كيلومترات من الطريق العام بين دمشق والقنيطرة.

وتوزعت القوة وفق الخطة؛ فرابطت مجموعة الاقتحام عند مدخل جسر كوم الرويسية، بينما تمركزت مجموعة الإنذار على تلة قريبة تشرف على الطريق العام.

وعند ظهور الموكب، وفي مقدمته سيارة الجنرال غورو، أعطت مجموعة الإنذار الإشارة المتفق عليها، وعند وصول سيارة الجنرال بادرت مجموعة الاقتحام بإطلاق النار على السيارة، والتحقت بهم مجموعة الإنذار فورًا حسب الخطة.

وبحسب الرواية، اختبأ غورو تحت المقعد، وأصيب في يده الاصطناعية بثلاث رصاصات، بينما نهض مرافقه الكولونيل بارنيت، الذي كان يجلس إلى جانب سائق السيارة، فأصيب وسقط على الطريق قتيلًا.

كما أصيب حقي بك العظم، حاكم دمشق، في كتفه وفخذه، فيما اندفع السائق بأقصى سرعة لإنقاذ الجنرال غورو وإبعاده عن منطقة الخطر.

وظن المقاتلون أن الجثة الموجودة على الطريق هي جثة غورو، فغادروا المكان مسرعين.

ومن تفاصيل الرواية التي بقيت حاضرة أن المقاتلين أخذوا قبعة القتيل التي اخترقتها عدة رصاصات، وبقيت مع أبو دياب، الذي كان يضعها على رأسه ويتجول بها في كفرسوم، قبل أن يسلمها إلى أحمد مريود، الذي سلمها بدوره إلى ابنة الشهيد يوسف العظمة.

وسرى في البداية خبر اغتيال غورو، حتى نُسب إلى أحمد مريود قوله: «الآن ليعلم العالم من هم العرب»، قبل أن تعلن إذاعة فرنسا أن الجنرال غورو لم يُقتل وأنه نجا من العملية.

وبعد تنفيذ العملية، افترق المشاركون فيها؛ فاتجه شريف شاهين ومحمود حسن شمالًا باتجاه طرنجة ثم جباتا الخشب وواسط، بينما اتجهت المجموعة الأكبر، التي ضمت خليل مريود وأبا دياب ومحمد ظاهر والشيخ ساري الحسين، جنوبًا، وعبرت نهر اليرموك حتى وصلت إلى عقربا، حيث كان ديوان الشيخ ساري الحسين الحمادنة ملاذًا آمنًا لهم.

وبعد يومين، جرى تأمينهم إلى ديوان الشيخ تركي كايد مفلح عبيدات في كفرسوم.

وكانت فرنسا قد بدأت في أعقاب العملية إجراءات انتقامية ضد آل مريود، فدمرت بيوتهم ونهبت مواشيهم، واعتقلت إخوة أحمد مريود، ثم أصدرت في 28 حزيران 1921م أحكامًا بالإعدام على أحمد مريود وإخوته وأخواله.

وتبقى مشاركة الشيخ ساري في هذه العملية، وفق الرواية المتوارثة، واحدة من أبرز المحطات التي تكشف امتداد علاقاته الوطنية والقومية خارج حدود الأردن، ودوره في مرحلة كانت فيها الحدود السياسية الحديثة أقل حضورًا من روابط الأرض والقبيلة والقضية والمصير المشترك بين أبناء بلاد الشام.

من ساحات القتال إلى مجالس الإصلاح

على الرغم من ارتباط اسم الشيخ ساري بالمواقف العسكرية، فإن حياته لم تكن حياة مقاتل فحسب. فقد كان رجلًا اجتماعيًا من الطراز الذي يجمع بين قوة الشخصية والحكمة، وبين القدرة على الحسم والقدرة على الإصلاح.

وعرفه أبناء عقربا والمنطقة رجلًا صاحب رأي ومشورة، يقصده الناس في القضايا الاجتماعية، ويطلبون تدخله في الخلافات والنزاعات، ويستعينون به في الجاهات والمناسبات.

وكان يرى أن قوة الرجل لا تظهر فقط في الميدان، وإنما تظهر كذلك في قدرته على منع الخصومة، وحقن الدماء، وإعادة العلاقات بين المتخاصمين.

ومن هنا كان باب الشيخ ساري مفتوحًا للعامة، يستقبل الناس في ديوانه، ويستمع إلى مشكلاتهم، ويقدم النصيحة والمشورة، ويسعى إلى تقريب وجهات النظر.

وقد عرف عنه الكرم وحسن الضيافة، وكان من الرجال الذين لا يتأخرون عن أداء الواجب الاجتماعي، سواء في الأفراح أو الأتراح، أو في استقبال الضيوف، أو في الوقوف إلى جانب أبناء مجتمعه في الأوقات الصعبة.

شخصية تجمع الحزم والحكمة

تصف الروايات التي تناقلها أبناء عقربا الشيخ ساري بأنه كان صاحب شخصية قوية وحضور لافت، لكنه لم يكن يستخدم قوته في غير موضعها.

كان حازمًا عندما تتطلب الظروف الحزم، ولينًا عندما يكون اللين أكثر فائدة، وقادرًا على قراءة المواقف، واتخاذ القرار المناسب في الوقت المناسب.

وكانت الثقة بالنفس من أبرز صفاته، إلى جانب الصبر والحلم والأمانة والنزاهة والوضوح.

كما عُرف ببشاشته وطيب معشره، وكان مريحًا في مجالسته، صريحًا في حديثه، واضحًا في مواقفه، ومخلصًا فيما يتولاه من مسؤوليات.

ولذلك لم تكن مكانته قائمة على القوة وحدها، وإنما على مزيج من الاحترام والمحبة والثقة.

أسرة ممتدة.. وامتداد لسيرة طيبة

امتدت أسرة الشيخ ساري الحسين العلي الحمادنة من بعده، لتشكل عائلة كبيرة ارتبط اسمها ببلدة عقربا ومجتمعها.

وكان للشيخ ساري أربعة أشقاء هو أصغرهم، هم: أحمد، وعلي، ومحمد، وسالم.

ومن أبنائه:

محمود، الابن الأكبر، ومن أبنائه: مفيد، وحابس، وبلال، وساري، وفراس، وسامح، ومحمد، ورامي.

عبدالله، ومن أبنائه: صدام، وعدي، وقصي، والدكتور محمد.

الدكتور عبد الرؤوف، ومن أبنائه: صخر، والمهندس عاصف، والمهندس عبادة، والمهندس أحمد، والمهندس محمد.

عبدالكريم، ومن أبنائه: صامد، وأصيل، وصليل.

الدكتور زيد، ومن أبنائه: المهندس أسامة، والدكتور بشار، وأنس.

وهكذا لم تنته سيرة الشيخ ساري برحيله، بل امتدت عبر أبنائه وأحفاده، الذين حملوا اسم الأسرة وواصلوا حضورها في المجتمع.

الرجل الذي بقي في ذاكرة عقربا

عندما يُستعاد اسم الشيخ ساري الحسين العلي الحمادنة اليوم، فإن أبناء عقربا لا يستحضرون رجلًا من الماضي فحسب، وإنما يستحضرون مرحلة كاملة.

يستحضرون شابًا خرج من قريته في بدايات القرن العشرين إلى الجيش العثماني، ثم عاد إليها حاملًا آثار الجراح والخبرة.

ويستحضرون فارسًا كان حاضرًا في صراعات الأرض والمراعي على ضفاف اليرموك، ورجلًا شارك في مؤتمر قم، ثم حمل السلاح تحت قيادة الشيخ كايد مفلح عبيدات في تلال الثعالب.

ويستحضرون الرجل الذي عاد ليلًا إلى أرض المعركة ليسترد جثمان والد زوجته ورفيق دربه، ثم عاد إلى مجتمعه ليواصل دوره الاجتماعي.

ويستحضرون كذلك الشيخ الذي فتح ديوانه أمام الثوار والمجاهدين، واستقبل أحمد مريود، وشارك، وفق الرواية المتوارثة، في واحدة من أشهر محاولات اغتيال الجنرال هنري غورو.

كل هذه المحطات تجعل من سيرته مادة غنية لفهم طبيعة الحياة السياسية والاجتماعية والعسكرية في شمال الأردن وبلاد الشام خلال النصف الأول من القرن العشرين.

سيرة رجل وذاكرة وطن

إن الحديث عن الشيخ ساري الحسين العلي الحمادنة ليس مجرد سرد لأسماء وتواريخ وأحداث، وإنما هو محاولة لاستعادة صورة رجل عاش في زمن كانت فيه المسؤولية تُقاس بالمواقف.

فقد جمع في شخصيته بين المقاتل الذي عرف السلاح، والفارس الذي عرف أرضه، والشيخ الذي عرف قومه، والمصلح الذي عرف قيمة الكلمة، والرجل الذي عرف معنى الوفاء.

عاش في مرحلة لم تكن الحدود السياسية قد فصلت أبناء المنطقة عن بعضهم كما أصبحت لاحقًا، فكان الانتقال بين الكفارات وحوران والجولان ودمشق جزءًا من حركة اجتماعية وسياسية وعسكرية واسعة، وكانت الروابط العائلية والعشائرية والمصالح المشتركة تتقاطع مع الأحداث الكبرى التي كانت تعصف ببلاد الشام.

وفي هذا السياق، تبدو عقربا في سيرته أكثر من مجرد مكان للولادة والإقامة؛ فقد كانت ديوانه وملاذه، ومنها انطلق في عدد من محطات حياته، وإليها عاد بعد تجاربه العسكرية، وفيها استقبل رجالًا من مختلف مناطق بلاد الشام، ومنها بقي أثره الاجتماعي حاضرًا.

رحل الشيخ ساري الحسين العلي الحمادنة في صيف عام 1976م، بعد أن عاش أربعة وثمانين عامًا تقريبًا، شهد خلالها نهاية عهد وبداية عهد، وعايش قيام الدولة الأردنية، وتابع تطورات المنطقة، وترك وراءه أسرة وذرية وذاكرة اجتماعية غنية.

ولعل أهم ما يمكن أن يبقى من سيرته ليس فقط عدد المعارك التي شارك فيها، ولا الأحداث التي كان حاضرًا فيها، وإنما منظومة القيم التي ارتبطت باسمه؛ الشجاعة، والكرم، والوفاء، والحكمة، وإغاثة الملهوف، وإصلاح ذات البين، وحماية الضيف، والوقوف إلى جانب الناس.

فهذه القيم هي التي جعلت الرجال يبقون في الذاكرة بعد رحيلهم.

وفي الختام رحم الله الشيخ ساري الحسين العلي الحمادنة، أحد رجال عقربا وبني كنانة الذين عاشوا زمنًا حافلًا بالأحداث، ولم يكونوا مجرد شهود عليه، بل شاركوا في صناعة بعض صفحاته.

رحل الرجل، وبقيت سيرته.

وغاب الجسد، وبقيت المواقف.

ومضت السنوات، لكن بقي اسمه حاضرًا في ذاكرة أهله وأبناء بلدته، تتناقله المجالس، وتستعيده الروايات العائلية، وتتناقله الأجيال بوصفه واحدًا من رجال زمن كانت فيه الرجولة موقفًا، والزعامة مسؤولية، والكرم واجبًا، والوفاء عهدًا لا يسقط بمرور الزمن.

وإذا كانت الأوطان لا تُبنى إلا برجالها، فإن الذاكرة الوطنية لا تكتمل إلا بحفظ سير هؤلاء الرجال، وتوثيق ما وصل إلينا من أخبارهم ورواياتهم، وتمييز ما تثبته الوثائق عما تحفظه الذاكرة الشعبية، حتى تبقى الأسماء حاضرة، وتبقى القصص شاهدة على مراحل صنعت جانبًا مهمًا من تاريخ الأردن وشماله وبلاد الشام.

وسيظل الشيخ ساري الحسين العلي الحمادنة، في ذاكرة عقربا وبني كنانة، عنوانًا لرجل جمع بين شجاعة المقاتل، وحكمة الشيخ، وكرم العربي، وأخلاق المسلم، ووفاء الصديق، ومسؤولية الرجل الاجتماعي.

إنها سيرة رجل لم تكن قيمته في لقب حمله، ولا في مكانة اجتماعية ورثها، وإنما في الأثر الذي تركه في الناس وفي المكان.

وذلك هو الإرث الحقيقي الذي لا يزول.

فطوبى لرجال عاشوا للناس، فبقي الناس يذكرونهم بالخير، وطوبى لسيرة كُتبت في ذاكرة القلوب قبل أن تُكتب على صفحات الكتب.

المصدر :  من كتاب " الكفارات حكاية ارض ومسيرة رجال " للكاتب والباحث محمد محسن عبيدات

whatsApp
مدينة عمان