ليس كل حضورٍ في جاهة عشائرية يعني ترؤساً، وليس كل مشاركةٍ اجتماعية يمكن اختزالها في مسمى واحد. وفي قضية شغلت الرأي العام، حضرت النائب السابقة ميادة شريم في الجاهة التي عُقدت في مجلس قلقيلة، لا باعتبارها رئيسةً لجاهة عشائرية، ولا لتأخذ دور الشيوخ والوجهاء، وإنما بصفتها شخصية عامة ورئيسة مجلس قلقيلة، ونائباً سابقاً عن المنطقة التي شهدت الواقعة، وإنسانةً آمنت بأن خدمة الناس والوقوف إلى جانب المظلوم والسعي إلى إنهاء الخلافات بالطرق القانونية والعشائرية مسؤولية وطنية وأخلاقية.
لقد كان حضورها واضحاً أمام الجميع، وبعلم القامات الوطنية والعشائرية التي شاركت في الجاهة، ولم يكن حضوراً مستتراً أو مفروضاً على أحد، بل جاء في سياق دورها الاجتماعي والإنساني في خدمة أبناء منطقتها، والمساهمة في تقريب وجهات النظر والوصول إلى حلول تحفظ الحقوق وتضع الأمور في نصابها القانوني والعشائري.
والأهم أن موقفها لم يكن انحيازاً للمعتدي أو محاولةً لتبرير الجريمة، بل كان مساندةً لحق الشاب المعتدى عليه، والتأكيد على أن يأخذ كل ذي حق حقه، وأن ينال المعتدي جزاءه وفق القانون، مع فتح الباب أمام الحلول العشائرية التي تحفظ الكرامة وتمنع تفاقم الخلافات.
فلماذا كل هذه الحملة؟
أين المشكلة في أن تكون امرأة أردنية في موقع المسؤولية حاضرةً في موقف اجتماعي وإنساني يخص أبناء دائرتها ومنطقتها؟
وهل أصبحت المرأة الأردنية مطالبةً بالوقوف بعيداً عن قضايا مجتمعها لمجرد أن المناسبة تحمل طابعاً عشائرياً؟
إن العشيرة الأردنية لم تكن يوماً جداراً يفصل المرأة عن مجتمعها، بل كانت المرأة على امتداد تاريخ الأردن شريكةً في تحمل المسؤولية، وفي بناء الأسرة، وصناعة الرجال، والوقوف إلى جانب الوطن في أصعب الظروف.
والأردن الذي يعتز برجاله وشيوخه ووجهائه، يعتز كذلك بنسائه اللواتي أثبتن أن خدمة الوطن ليست حكراً على جنس دون آخر.
المرأة الأردنية كانت وما زالت حاضرةً في الجيش العربي والأجهزة الأمنية، والطب والتعليم والقضاء والمحاماة والإعلام والاقتصاد والعمل النيابي والسياسي والإدارة العامة والعمل الاجتماعي والإنساني، ووقفت إلى جانب الرجل في كل ميادين البناء والتضحية.
ومن أراد أن يقيس مكانة المرأة الأردنية، فليتذكر أن أبواب الوطن ومؤسساته ومجالسه لم تكن يوماً مغلقة أمامها.
كما أن حضور النساء إلى جانب الرجال في المناسبات واللقاءات الوطنية ليس أمراً غريباً على المجتمع الأردني؛ فمجالس الوطن تجمع أبناءه وبناته على اختلاف مواقعهم، والقيادة الهاشمية الحكيمة لطالما فتحت أبوابها لأبناء وبنات الأردن من مختلف المحافظات والعشائر والمكونات، لأن المواطنة لا تُقاس بنوع الحضور، وإنما بما يحمله الإنسان من مسؤولية وصدق وانتماء.
وعليه، فإن اختزال حضور ميادة شريم في عبارة أنها "ترأست جاهة عشائرية" لا يعكس حقيقة ما جرى، ولا ينصف دورها الذي قامت به في تلك المناسبة.
لقد حضرت بصفتها شخصية عامة، ورئيسة مجلس قلقيلة، ونائباً سابقاً عن المنطقة، وابنةً لهذا المجتمع، وصاحبة موقف إنساني تجاه قضية تمس أحد أبنائه.
ولم يكن في حضورها، بحسب ما ظهر في المناسبة، ما ينتقص من مكانة الشيوخ والوجهاء والقامات العشائرية، بل كانت بينهم، وشاركت في جهود الوصول إلى حل، بما يخدم مصلحة الأطراف ويحفظ الحقوق والكرامة ويغلق باب الفتنة والخلاف.
وهنا يجب أن نفرق بين الترؤس العشائري وبين المشاركة الاجتماعية والوطنية.
فالمرأة عندما تحضر جاهة أو صلحاً أو لقاءً مجتمعياً لا تصبح شيخاً عشائرياً، والرجل عندما يحضر اجتماعاً نسائياً أو فعالية اجتماعية لا ينتزع دور الآخرين. إنما هي صور من صور المجتمع الأردني المتماسك، الذي تتكامل فيه الأدوار ولا تتصارع.
ميادة شريم لم تحتج إلى أن تقول إنها ترأست جاهة، ولم تدّعِ لنفسها دوراً ليس لها؛ بل حضرت حيث رأت أن حضورها يمكن أن يخدم أبناء منطقتها ويسهم في تقريب وجهات النظر والوصول إلى حل.
ومن حق أي شخصية عامة أن تُنتقد، ومن حق المجتمع أن يناقش أداء المسؤولين، لكن الإنصاف يقتضي أن يكون النقد مبنياً على الحقيقة لا على التأويل، وعلى ما حدث فعلاً لا على روايات تُصنع لتأجيج الجدل.
الأردن أكبر من حملات التشويه، وأكبر من تحويل كل موقف اجتماعي إلى معركة على مواقع التواصل.
وفي وطنٍ قامت مسيرته على التآخي والتكافل واحترام العشيرة والقانون، تبقى المرأة الأردنية شريكةً للرجل في المسؤولية، وفي خدمة المجتمع، وفي حماية النسيج الوطني.
وإذا كان الرجال الأردنيون قد حملوا راية الوطن في الميادين، فإن النساء الأردنيات كنّ دائماً إلى جانبهم؛ يربين الأجيال، ويعملن في مؤسسات الدولة، ويحملن رسالة العلم والطب والقانون والإعلام والسياسة، ويقدمن للوطن من مواقعهن ما يستطعن.
فلا تجعلوا من حضور امرأةٍ في موقف إنساني قضيةً تستحق كل هذه الحملة، ولا تحوّلوا مبادرةً هدفت إلى الإصلاح وتقريب وجهات النظر إلى تهمة.
فالمرأة الأردنية ليست ضيفةً على المشهد الوطني والاجتماعي، بل هي جزء أصيل من هذا المشهد، وشريكة كاملة في بناء الأردن وخدمة أبنائه، إلى جانب الرجل، تحت راية الوطن والقيادة الهاشمية الحكيمة.
والأصل في مثل هذه المواقف أن نسأل: ماذا قدم الإنسان لحل المشكلة؟ ولمن وقف؟ وهل سعى إلى حماية الحقوق وتهدئة النفوس؟
أما أن نحاسب الإنسان على مجرد حضوره، أو أن نضع الحواجز أمام المرأة الأردنية كلما حاولت أن تؤدي دوراً اجتماعياً أو إنسانياً، فذلك لا يليق بالأردن ولا بتاريخه ولا بثقافته التي عرفت دائماً قيمة المرأة ومكانتها ودورها.