بقلم: الأستاذ الدكتور حسن عبد الله خلف عبد الله البرماوي.
يقف شارع الملك طلال شاهداً خافقاً كالشريان الأعظم والقلب النابض للعاصمة عمان، والمجسّم الحقيقي لروح الدولة الأردنية الناشئة وتطورها الاقتصادي والاجتماعي منذ أربعينيات القرن الماضي وحتى يومنا هذا؛ فهو لم يكن يوماً مجرد ممر حجري أو مسار تعبره السيارات والبضائع، بل كان ولا يزال الصرح التجاري الأكبر والجامع الشامل لكل أطياف المجتمع الأردني وطبقاته، حيث انصهرت فيه الطاقات العصامية وتلاقت فوق أرضه خطى الآباء والأجداد الذين بارك الله رزقهم فيه وسكبوا من أرواحهم وعرقهم في جنباته ليعيشوا فيه أجمل أيام حياتهم وأطهرها، محولين هذا الشارع إلى السهل الخصيب لاقتصاد العاصمة ونواة التكافل الشعبي الأصيل.
يمتد هذا الشارع العريق بطول يقارب 1.8 كيلومتر متصلة من رحاب المسجد الحسيني الكبير حتى أول شارع المهاجرين ورأس العين، مشكلاً في ستينيات وسبعينيات القرن الماضي الحاضنة الأكبر لما يزيد على 50% من النشاط التجاري اليومي لمدينة عمان، ومركز الإمداد الأساسي لأكثر من 60% من تجار المحافظات الأردنية كافة من الشمال إلى الجنوب، حيث انتشر فيه أكثر من 12 قطاعاً تجارياً وحرفياً تتكامل لتلبي احتياجات العائلات اليومية وتزود البيوت بالخير والبركة.
لقد شهد هذا الشارع التحولات السياسية والعسكرية الكبرى في تاريخ المملكة الأردنية الهاشمية؛ إذ كانت جيبات القوات المسلحة ومواكب قيادة الجيش العربي الممثلة حينها بـ غلوب باشا ("أبو حنيك") تعبر هذا الشارع يومياً في طريقها بين المعسكرات ومقرات القيادة في رأس العين وعين غزال، وكان المغفور له جلالة الملك طلال بن عبد الله -رحمه الله واضع الدستور الأردني- ينزل بصلابته وتواضعه بين المواطنين والتجار في هذا الشارع الذي حمل اسمه، ليتفقد أحوال الناس ورعايته لشؤونهم في مرحلة مفصلية من تأسيس الدولة. وهنا يبرز التناقض التاريخي الجلي؛ إذ لم يُضف الوجود البريطاني في ذلك العصر شيئاً لشارع طلال على المستوى العمراني أو التنموي، بل تركوا الشارع لينبثق ويتشكل بجهد أردني خالص؛ فالإنجليز ركزوا على معسكراتهم الثابتة، بينما صاغ التجار والأهالي بحسهم الوطني العصامي معمار الشارع وأسواقه وأرصفته حجرًا فوق حجر، ليكون الشارع إنجازاً أردنياً محضا بامتياز.
فمنذ تلك العقود الذهبية، كان الشارع يضج بالحياة ويبدأ المشهد من جوار الجامع الحسيني حيث تعبق رائحة التوابل والسكينة من محل عطارة الحن، وتجاورها حلاوة الأيام في حلويات المنها وحلويات أبو لبة، وعلى الضفة المقابلة يقف محل الحاج عبده صبحا للأقمشة شاهِدَين على ذوق أهالي عمان، وفي جوارهما محلات الأناقة والأحذية كعالم البغدادي لمالكه أبو وليد ومحل باتا ومحل نينو لتتكامل صناعة الكسوة والجمال في ذاكرة العمانيين.
تجسدت في هذا الشارع مسيرة العصامية والتطور التجاري التدريجي للرعيل الأول الذي بنى اقتصاد عمان، ويبرز في هذا الصدد محل المرحومين عبد الله خلف البرماوي وسالم حداد كنموذج شاهد على حركية السوق؛ حيث بدأت تجارتهما في أربعينيات القرن الماضي بتأمين الوقود الحيوي للمدينة عبر الحطب والفحم، ثم تطورت مع اتساع عمران العاصمة إلى تجارة السكراب والمواد المعدنية، لتتحول لاحقاً إلى تجارة الأدوات المنزلية وأجهزة الغازات، في مسار يختصر رحلة تحول البيت العماني من النمط القديم إلى العصرنة والتجهيز الحديث.
ولأن الشارع كان يمثل البنية التحتية الصلبة لعمان الحديثة، فقد احتضن قطاع مواد البناء والمعدات الأساسية التي شيدت الجبال المحيطة، وعلى رأسها محلات العجة لمواد البناء ومحل أبو عادل مرعي، إضافة إلى محلات السباكة والحدادة وصناعة الصاج التي زودت البيوت الأولى بدفئها وأنابيب مياهها، وبجوار سينما الكواكب كان يقف محل السمكري- السمهوري للصوبات والأفران ومحل فاروق لتصليح الصوبات وبوابير الكاز في أول شارع الطلياني ليرسما مع محل المنجد أبو درويش مصطفى الصدر ومحل أنوس الفرواتي للجواعد معالم الاقتصاد الدائري والحرف اليدوية الوطنية التي سبقت عصر الاستيراد واعتمدت على السواعد الأردنية.
ولم يكن الأمن الغذائي وتأمين الحياة اليومية بأقل شأناً في هذا الصرح العظيم، فقد شكل الشارع مركز التمويل الأساسي لبيوت عمان بوجود مطاحن الحبوب ومحلاتها الشاهقة كمحل أبو داوود غطاس دلل ومحل أبو عادل النوري ومطحنة الشرايط ومخمر الموز ومحمص الحموي الشهير بمحمص الجرسي ومحمص الطنبور ومحل حميد وابنه محمد الكباريتي مقابل سوق الخضرة، إضافة إلى البقاليات العريقة كبقالة العمال الوطنية لبديع مشربش على نزول القبرطاي وبقالة مقبل وملحمة انشاصي على مدخل سوق الخضرة ومكتب أبو سيدو للخضار على سطح السوق ومحل قلاجو الشامي للبضائع السورية على مدخل شارع سينما الحمرا ومحل البكري للأدوات المنزلية ومحلا ت القماز وفرن الجنيدي وفرن القدومي في أول المهاجرين ورائحة الكعك والخبز الطازج، لتكتمل منظومة الخدمات اليومية بنبع مياه السعودي لتعبئة تنكات المياه ومحل مبيض الطناجر والصواني في المهاجرين ليقدم الشارع نموذجا فريداً ومكتفياً ذاتياً للخدمة العامة.
وفي البعد الاجتماعي والثقافي والإنساني، كان شارع الملك طلال ملتقى الفن والرياضة والأناقة وكان الطبيبان المشهوران- توفيق قبعين وشاكر الزهار. وشارع طلال هو ملفى وملقى الناس اليومي ولاعالي عمان ومن جميع جبالها ، وكذالك اذا تحدثنا عن سينما الحمراءحيث امتلأ بالرواد القادمين إليها وسينما الكواكب وسينما دنيا، وبرزت قهوة الحجازي بدورها الاجتماعي والتجمعي الكبير كملتقى لرجالات التجارة والسياسة والمواطنين ومحطة لتداول الأخبار وشؤون المدينة، إلى جانب المقاهي والمطاعم كمطعم بغداد لمالكيه من عائلة جبر ومحل بائع البوظة أحمد المصري وحمام النصر. وكانت الأناقة تلتقي في صالون حلاقة أبو شنب لمالكه والد لاعب الفيصلي زياد أبو شنب، وعلى مدخل سوق اليمانية كان يمارس بائع دخان الهيشي والد لاعب كرة القدم المرحوم محمد اليماني عمله ليربط السوق بالذاكرة الرياضية العمانية، وتوثق اللحظات التاريخية للعائلات والأفراد في ستديو دنيا للتصوير ومحل ساعات نعمان عقل في أول طلوع وادي سرور لتكتمل صورة المجتمع المتنوع والمتآلف في أبهى صور التعايش الإنساني.
لقد تميز هذا الشارع العجيب بدخلاته ومواقفه التي مثلت شريان النقل والترانزيت الأهم في العاصمة، كدخلة موقف نزلة موقف الدواب لنقل مواد البناء تحت سينما دنيا والتي كانت وسيلة النقل الرئيسية لنقل البضائع قبل دخول الآليات الحديثة، ومواقف السرفيس المتجهة إلى ناعور ومرج الحمام والمهاجرين وجبل الاشرفية والوحدات والنظيف والمريخ ، مما جعل الشارع محطة الوصول والانطلاق الأولى لكل أردني وقادم إلى العاصمة. وطلعت سوق الحمام - او طلعة خرفان .
إن هذا الشريط التراثي والتجاري العريق الذي عايشناه وترعرعنا في أفيائه ورأينا فيه بركة الله التي حلّت على الآباء والأجداد لا يمثل مجرد حنين عابر للماضي، بل هو وثيقة صمود حية ونموذج تاريخي لبدايات تأسيس الاقتصاد الأردني وتلاحم مكوناته الشعبية. ومن هنا، فإننا نطلقها صيحة واعية ونداءً استراتيجياً لكافة الجهات والمؤسسات المعنية لضرورة التحرك العاجل لترميم هذه الآثار الشاخصة والحفاظ على المعالم التي تحتفظ بذاكرة المكان وتجسد الهوية العمرانية لعمان أمام الأجيال القادمة؛ إن صيانة هذا الشارع وتحويله إلى مسار تراثي وثقافي واقتصادي محمِي ليس مجرد واجب جمالي، بل هو استحقاق وطني تاريخي يربط الحاضر بالماضي، ويحفظ لأحفاد أولئك الرجال العصاميين تاريخ أجدادهم العظام الذين صاغوا بأيديهم وعرقهم بذور النهضة الأردنية المباركة. وللحديث بقية - حيث لم استطع ذكر كل من سكن وعاش واعتاش بهذا الشارع العريق التراثي . يجب ان يكون له موقع على صفحات السوريات ميديا ويكون هناك تعارف وتصوير عن هذا الشارع وموقع على الفيس بوك . لمحافظة على تراث الاباء والاجداد .