هناك مفرقٌ نعرفها جميعاً، ومفرقٌ أخرى لا يراها كثيرون.
نعرف المدينة وشوارعها ومؤسساتها وأخبارها، لكن خلف هذه الصورة تمتد قرى وتجمعات في البادية الشمالية والغربية، يعيش فيها أناس لهم نفس الأحلام، ونفس الاحتياجات، ونفس الحق في أن يُسمع صوتهم.
المشكلة ليست أن هذه القرى لا يوجد فيها ما يُكتب عنه، بل ربما العكس تماماً؛ فيها قصص تستحق أن تُروى، لكن كثيراً منها لا يصل إلى الإعلام إلا عندما يتحول الاحتياج إلى أزمة.
هناك شاب في قرية صغيرة يبحث عن فرصة عمل دون أن يضطر إلى مغادرة أهله.
وهناك أمٌّ تتابع تفاصيل الحياة اليومية وهي تعرف أن الوصول إلى بعض الخدمات ليس سهلاً كما هو في مركز المحافظة.
وهناك طفل يذهب إلى مدرسته، وشاب يحلم بمشروع، ومزارع ينتظر موسمه، وأسرة تتمنى أن تصل إليها الخدمات بشكل أكثر انتظاماً.
هؤلاء ليسوا أرقاماً في تقرير، ولا أسماءً في قائمة قرى.
هؤلاء هم المفرق.
ومن حقهم أن يكونوا جزءاً من الصورة.
نحن لا نكتب هذا الكلام لنقول إن شيئاً لم يتغير، أو لننكر المشاريع والخدمات التي وصلت إلى مناطق مختلفة من المحافظة. بل نكتب لأن التنمية الحقيقية لا تُقاس فقط بما يحدث في مركز المدينة، وإنما بمدى وصول أثرها إلى الأطراف أيضاً.
فالقرية البعيدة ليست بعيدة عن الوطن، والبادية ليست هامشاً على الخريطة.
ربما تحتاج المفرق اليوم إلى عدسة إعلامية أوسع؛ عدسة لا تتوقف عند وسط المدينة، بل تذهب إلى أمكنة قد لا تصلها الكاميرا إلا نادراً.
نحتاج أن نسمع من سكان القرى: ماذا ينقصهم؟ ماذا تغير؟ وما الذي ما زال ينتظر دوره؟
نحتاج أن نكتب عن الطالب الذي يقطع مسافة طويلة للوصول إلى جامعته، وعن الشاب الذي يحمل شهادته ويبحث عن فرصة في محافظته، وعن المرأة التي تحاول أن تبدأ مشروعاً صغيراً، وعن المزارع الذي يريد أن يبقى منتجاً في أرضه.
هذه ليست قصصاً هامشية.
هذه هي القصص التي تصنع معنى التنمية.
وأعتقد أن مسؤولية الإعلام المحلي ليست فقط نقل الخبر بعد وقوعه، وإنما أن يكون قريباً من الناس قبل أن تتحول مطالبهم إلى أزمات.
المفرق لا تحتاج إلى مزيد من الضوء على مركزها فقط؛ تحتاج إلى أن تمتد العدسة إلى كل قرية وتجمع وبيت يشعر أحياناً أنه بعيد عن المشهد.
فالناس في الأطراف لا يريدون أكثر من حقهم الطبيعي: أن يُسمع صوتهم، وأن تُرى احتياجاتهم، وأن يشعروا أن قريتهم جزءٌ أصيل من حكاية المفرق.