سبق أن كتبنا عن ثقافة الاستعراض والإسراف غير المبرر، وعن ذلك الاستهلاك الاجتماعي الذي يدفع الإنسان إلى الإنفاق لا لأنه يريد، بل لأنه يخشى أن يبدو أقل من غيره، وعن تحويل المناسبات السعيدة إلى أعباء تُفرض على الناس باسم المجاملة والواجب.
لكن الأفكار لا تكتسب قيمتها الحقيقية بمجرد الكتابة عنها، وإنما عندما تتحول إلى ممارسة ونموذج.
ومن هنا تأتي أهمية المبادرة النبيلة التي اتخذها الشيخ "رميح أبو جنيب الفايز" بمناسبة زواج نجله "تركي" ، حين اختار إقامة عشاء عائلي محدود جدًا، ووضع حدًا لعادة "النقوط" وما قد يترتب عليها من التزامات ومجاملات متبادلة.
فـ"النقوط "كان في أصله صورة جميلة من صور التكافل والمشاركة، لكنه تحول في بعض مظاهره إلى دفتر حساب اجتماعي مفتوح، أو ما يمكن أن نسميه "المقاصة الاجتماعية" : دعوتني فأنا مدين لك، نقّطت لي فعليّ الرد، حضرت فرحك فأنت ملزم بحضور فرحي.
وهكذا تتحول العلاقة الاجتماعية، من دون أن نشعر، إلى نوع من ،"المقاصة الاجتماعية" التي تُسوّى فيها المجاملات بالمجاملات، والهدايا بالهدايا، والحضور بالحضور، فيفقد الفرح شيئًا من عفويته، وتصبح المشاركة أحيانًا واجبًا تفرضه حسابات الذاكرة الاجتماعية أكثر مما تفرضها المحبة.
وهكذا قد يتحول الفرح من مساحة للمحبة إلى شبكة من الالتزامات والحرج والأعباء.
لذلك فإن قيمة مبادرة الشيخ "رميح " تتجاوز التوفير المالي، فهو لم يرفض الفرح، وإنما أعاد إليه بساطته، ولم يرفض الكرم، وإنما أعاد تعريفه.
فالكرم الحقيقي ليس في ضخامة الوليمة ولا في عدد المدعوين، وإنما في مراعاة أحوال الناس وعدم تحميلهم ما لا يريدون أو لا يستطيعون، والوجاهة الحقيقية ليست في الاستعراض، بل في أن تترك وراء كل مناسبة فرحًا لا عبئًا.
ولعل اعتذاره للأصدقاء والمعارف خارج الدائرة الضيقة لم يكن إقصاءً لهم، بل احترامًا لهم، وتحريرًا للصداقة من أن تتحول إلى التزام اجتماعي ومشقة سفر.
لقد طالبنا في مقالات سابقة بأن نكسر دائرة الاستعراض والمبالغة، وأن نرفض تحميل الناس أعباء المشاركة في الأفراح، وأن نفرق بين الكرم الحقيقي والاستهلاك الاجتماعي الذي تفرضه العادة.
واليوم تأتي مبادرة الشيخ "رميح" لتقول إن التغيير لا يحتاج دائمًا إلى حملات كبيرة ، أحيانًا يكفي أن يبدأ به شخص واحد، في مناسبة واحدة، ليمنح الآخرين شجاعة الاقتداء.
ليس المطلوب بطبيعة الحال أن نحارب الموروث أو نصادر أفراح الناس، وإنما أن نسأل أنفسنا:
هل ما نفعله يضيف سعادة حقيقية إلى حياة الآخرين، أم يحملهم عبئًا مستترًا؟
ألف مبروك لـتركي ولعائلته الكريمة، والتحية للشيخ "رميح أبو جنيب الفايز" على مبادرة صغيرة في شكلها، كبيرة في معناها.
فأجمل الأفراح ليست تلك التي نُري بها الناس ما نملك، وإنما تلك التي نُشعرهم فيها بأننا نحبهم، دون أن نحمّلهم ثمن سعادتنا.
أن نفرح بصدق، ونكرم بوعي، ونقتصد دون أن نبخل، والأهم: أن نفرح دون أن نُرهق بعضنا.