عندما تجلس مع رجال من أمثال الشيخ ارميح أبو جنيب الفايز، وتستمع إلى حديثه، تدرك سريعاً أنك أمام شخصية لا تتحدث لمجرد الحديث، وإنما أمام رجل لديه معرفة واهتمام بالتاريخ، وخصوصاً تاريخ قبيلته ووطنه، ويملك قدرة على سرد المواقف وربط الأحداث بما تركته من أثر في مسيرة المجتمع الأردني.
وقد لفتني خلال الحديث معه اهتمامه الكبير بتاريخ قبيلة بني صخر، وما مرّت به المنطقة من أحداث ومحطات تاريخية، وحديثه عن علاقة أبناء القبيلة بالدولة العثمانية، وما رافق تلك المرحلة من ظروف ومواقف وأحداث. وتجد في حديثه شغفاً واضحاً بالتاريخ وحرصاً على أن تبقى ذاكرة الآباء والأجداد حاضرة في وجدان الأجيال.
وهنا، لا بد من القول إن الحديث عن الشيخ ارميح لا يقتصر على التاريخ والمعرفة، بل يتجاوز ذلك إلى الحديث عن الكرم والجود وحسن استقبال الضيف، وهي قيم عرف بها المجتمع الأردني منذ عقود، وظلت عنواناً بارزاً في بيوت العشائر الأردنية.
وقبل أيام، تشرفت بدعوة كريمة من الشيخ ارميح أبو جنيب الفايز، وكانت تلك الزيارة فرصة لأن أرى عن قرب ما يتحدث عنه الناس من كرم هذا الرجل وطيب معدنه وحفاوته بضيوفه.
فبعض الصفات لا تحتاج إلى شهادة من أحد؛ يكفي أن تجلس في مجلس الرجل، وتراقب طريقة استقباله لضيوفه، واهتمامه بمن يدخل ديوانه، لتدرك أن الكرم بالنسبة له ليس مظهراً اجتماعياً، وإنما نهج وسلوك وقناعة راسخة.
واللافت في شخصية الشيخ ارميح أنه ينظر إلى الديوان باعتباره بيتاً مفتوحاً للناس، وليس مكاناً خاصاً بأصحابه، فهو يؤكد دائماً أن ديوانه مفتوح أمام الأردنيين جميعاً، وبشكل خاص أمام أبناء قبيلته بني صخر، وهو ما يعكس إيماناً بأن الديوان الأردني كان وسيبقى مساحة للقاء والتواصل وإكرام الضيف وحل الخلافات وتعزيز روابط المحبة بين الناس.
كما كان للشيخ ارميح حضور واضح في استقبال الضيوف والزوار من خارج المملكة، ولا سيما الأشقاء من دول الخليج العربي، حيث يحرص على أن يكون الأردن حاضراً في صورة مضيافة تليق بسمعته ومكانته، وأن يجد الضيف في الديوان الأردني ما عهدناه من كرم وحفاوة وأصالة.
والجميل في الأمر أن الشيخ ارميح لا يتحدث عن الكرم باعتباره فضيلة تخص شخصه، بل يتحدث عنه باعتباره جزءاً من إرث قبيلته ومجتمعه، ويشير دائماً إلى أن بني صخر قبيلة لها تاريخ طويل في إكرام الضيف والوقوف إلى جانب الناس وحماية قيم الجيرة والنخوة.
وهذه المعاني هي التي تجعل الحديث عن الرجل حديثاً عن منظومة من القيم الاجتماعية التي ما زالت حاضرة في المجتمع الأردني، رغم تغير الزمن وتبدل الكثير من مظاهر الحياة.
فالرجال الحقيقيون لا تقاس مكانتهم بالألقاب وحدها، ولا بعدد الأشخاص الذين يعرفونهم، وإنما بما يتركونه من أثر طيب في نفوس من حولهم، وبالمواقف التي تُذكر لهم عندما يغيبون عن المجالس.
والشيخ ارميح أبو جنيب الفايز، كما عرفته من خلال هذه الزيارة، رجل يحرص على أن يبقى قريباً من الناس، يحترم ضيفه، ويقدر من يجلس في مجلسه، ويعتز بتاريخه وقبيلته ووطنه، ويرى في استقبال الناس وإكرامهم واجباً أخلاقياً قبل أن يكون عادة اجتماعية.
وفي زمن أصبحت فيه بعض القيم عرضة للتراجع أمام سرعة الحياة، تبقى مجالس الرجال التي تحفظ معنى الديوان والضيف والنخوة والطيب شاهدة على أن الأصالة الأردنية ما زالت بخير، وأن هناك رجالاً يحملون هذه القيم ويقدمونها للأجيال من خلال الممارسة والموقف لا من خلال الكلام فقط.
ومن هنا، فإن شهادتي بحق الشيخ ارميح أبو جنيب الفايز هي شهادة محبة وتقدير لرجل وجدت فيه احتراماً للناس، واعتزازاً بتاريخ وطنه وقبيلته، وحرصاً على استقبال ضيوفه وإكرامهم، وإيماناً بأن الديوان يجب أن يبقى مفتوحاً أمام الجميع.
فالكرم الحقيقي لا يحتاج إلى إعلان، لأن الضيف هو من يشهد له، والمجلس هو من يتحدث عنه، والناس هي من تحفظ سيرة الرجال.
كل الاحترام والتقدير للشيخ ارميح أبو جنيب الفايز، ولأمثاله من الرجال الذين يحملون إرث الآباء والأجداد، ويحافظون على قيم الكرم والطيب والنخوة والاحترام، ويجعلون من مجالسهم جسراً للمحبة والتواصل بين أبناء هذا الوطن.
وتبقى هذه شهادة للتاريخ: أن في الأردن رجالاً ما زالوا يرون في إكرام الضيف واجباً، وفي احترام الناس قيمة، وفي الديوان بيتاً مفتوحاً لكل من يطرق بابه...