«Съединението прави силата» — «الاتحاد يصنع القوة»
هناك بلدان يمكن أن نكتب عنها بعين المؤرخ، وهناك بلدان يصعب أن نفصل الكتابة عنها عن شيء من القلب. وبالنسبة لي، تنتمي بلغاريا إلى الفئة الثانية.
وفي السادس من سبتمبر من كل عام، تستعيد بلغاريا واحدة من أهم محطات تاريخها الحديث: اتحاد روميليا الشرقية مع إمارة بلغاريا عام 1885، وهو الحدث الذي أصبح رمزًا للإرادة الوطنية وقدرة الشعوب على تغيير واقعها السياسي.
ولأنني أكتب عن بلغاريا من الأردن، فإن هذا التاريخ يستوقفني بصورة خاصة. فبين البلدين، رغم اختلاف تجربتهما التاريخية، قاسم مشترك مهم؛ فكلاهما عرف الحكم العثماني، وكلاهما دخل، في فترة متقاربة تاريخيًا، إلى مرحلة بناء الدولة الحديثة، وإن اختلفت الظروف والمسارات.
بعد الحرب الروسية ـ العثمانية 1877–1878، جاءت معاهدة برلين لتعيد رسم خريطة بلغاريا، فقامت إمارة بلغاريا، بينما بقيت روميليا الشرقية إقليمًا عثمانيًا يتمتع بحكم ذاتي وعاصمته بلوفديف.
لكن الحدود التي رسمتها القوى الكبرى لم تستطع أن تطفئ فكرة الوحدة.
وفي السادس من سبتمبر 1885، أعلنت القوى البلغارية في بلوفديف اتحاد روميليا الشرقية مع إمارة بلغاريا، بدعم من الأمير ألكسندر الأول باتنبرغ. ولم يكن ذلك مجرد حدث سياسي؛ فقد كان تعبيرًا عن إرادة شعبية ووطنية دفعت باتجاه توحيد البلاد.
ثم جاءت الحرب الصربية ـ البلغارية، التي انتهت بانتصار بلغاري، لتثبت أن الاتحاد لم يكن إعلانًا رمزيًا، بل تحول إلى واقع قادر على الدفاع عن نفسه.
وبعد ذلك بعامين، وصل فرديناند إلى العرش، قبل أن تعلن بلغاريا استقلالها الكامل عام 1908.
وهكذا، خلال عقود قليلة، انتقلت بلغاريا من مرحلة الخروج من الحكم العثماني إلى بناء دولة حديثة بمؤسساتها ودستورها وجيشها، ثم إلى الاستقلال الكامل.
وفي الأردن، جاءت التجربة في سياق مختلف، ولكن ضمن التحولات الكبرى نفسها التي شهدتها المنطقة مع نهاية الحكم العثماني.
فمع تأسيس إمارة شرق الأردن عام 1921، بدأت مرحلة جديدة من بناء الدولة، وترسيخ الإدارة والمؤسسات، وبناء الجيش، وصولًا إلى استقلال المملكة الأردنية الهاشمية عام 1946.
لم تكن الدولة الأردنية مكتملة المقومات عندما بدأت، كما لم تكن الدولة البلغارية الحديثة قد ولدت مكتملة. في الحالتين كان بناء الدولة مشروعًا تراكميًا احتاج إلى قيادة ومؤسسات وتضحيات، وإلى شعور بأن المستقبل المشترك أكبر من الظروف الصعبة التي أحاطت بالنشأة.
ومن هنا، فإن المقارنة بين التجربتين ليست محاولة لإثبات التشابه، فلكل بلد خصوصيته، وإنما للتذكير بأن الانتقال من عالم الإمبراطوريات إلى عالم الدول الحديثة لم يكن سهلًا على شعوب المنطقة وأوروبا الشرقية، وأن بناء الدولة كان في الحالتين رحلة طويلة.
ولعل هذا ما يجعل الشعار البلغاري:
«Съединението прави силата» — «الاتحاد يصنع القوة»
أكثر من مجرد شعار وطني.
إنه خلاصة تجربة تاريخية تقول إن قوة الدولة لا تقاس فقط بمساحتها أو مواردها، وإنما بقدرتها على توحيد إرادتها، وترسيخ مؤسساتها، وحماية هويتها، وتحويل تاريخها إلى مشروع للمستقبل.
وهذه رسالة لا تخص بلغاريا وحدها.
فالأردن، الذي نشأ في بيئة إقليمية شديدة التعقيد، يعرف بدوره أن الدولة تُبنى بالصبر والتراكم، وأن الاستقرار ليس مجرد حالة سياسية، بل ثمرة مؤسسات ووعي وطني ومسؤولية مشتركة.
أما بالنسبة لي، فإن بلغاريا ليست مجرد موضوع أكتب عنه. فقد عشت في صوفيا سنوات من حياتي، وتركت في ذاكرتي ما يجعل علاقتي بها تتجاوز الكتب والتاريخ. ولذلك أعود إليها اليوم من موقع أردني، لا لأستعيد تاريخها فحسب، وإنما لأتأمل أيضًا في معنى الدولة والوحدة والاستقلال.
في السادس من سبتمبر، لا تحتفل بلغاريا بحدث وقع قبل أكثر من قرن وأربعين عامًا فقط؛ إنها تحتفل بفكرة ما زالت صالحة اليوم:
الأوطان تصبح أقوى عندما تتحد إرادتها، وتترسخ مؤسساتها، ويصبح مستقبلها المشترك أكبر من خلافاتها.
وما أجمل أن تختصر أمة تجربة تاريخها في أربع كلمات:
«الاتحاد يصنع القوة».
كل عام وبلغاريا، شعبًا ودولة، أكثر وحدةً وقوةً وازدهارًا.