ليس عيباً ولا عاراً أن كنت ضابط صف وأتغنى بوطني فلم يكن الوطن يوماً رتبة تُعلّق على الأكتاف ولا منصباً يُباع ويُشترى في سوق المصالح الوطن في مفهومي هو تلك الأرض التي تنبض بالحياة وهو ذاك الشعب المكافح الذي ينبع بالعطاء فيزرع الأمل في الصخر فينبت المستحيل وهو القيادة التي تحمل أبعاداً دينية وقومية وتاريخية تضرب جذورها في عمق الهوية ويكفينا فخرا أنهم سلالة العترة النبوية هذه هي العقيدة الراسخة لدي وتجعلني دوما أقف شامخاً أرفع رأسي بلقب "ضابط صف متقاعد"، مؤمناً بأن الأوطان تُبنى بسواعد الرجال وتُفدى بأرواحهم لا ببريق رتبهم وعلو مناصبهم فما قيمة الرتبة إن خلت من الشرف؟؟؟!!! وما نفع المنصب إن لم يكن خادماً للحق؟؟؟!!! طوال مسيرتي كنت أحمل التناقض الجميل الذي يصنع الرجال فبينما كانت يمناي تقبض على السلاح حمايةً للثغور كانت يسراي تمسك باليراع لتسطير الفكر وتنشر الوعي فقداحتضنت وطني بين جوانحي وأشعلت عقلي بتفكير دائم لا ينقطع: كيف يمكنني الإسهام في رفعته؟؟؟!! لقد كافحت طويلاً وحصلت على أعلى الدرجات العلمية بتفوق وأثبتُ كفاءتي في كل ميدان عمل وطأته عسكرياً كان أم مدنياً أقتصاديا أم تعليميا لكن طريق الحق لم يكن مفروشاً بالورود فقد حمل قلبي جراحاً غائرة أورثتها عقود الزمن وتباين التوجهات فاضطررت في محطات عدة لمغادرة بعض المواقع لأن استمرار وجودي فيها كان مخالف لمبادئي عدو للقبم خال من الصدق والشرف يتعارض مع مصلحة الوطن العليا التي لا أساوم عليها أبداً.لكن المحزن في طريق النزاهة ليس مشقة الطريق ذاته بل خذلان الجلساء ممن كنا نعتبرهم أحبة وأصدقاء فبالأمس القريب جلست في مجلسٍ ضمّ بعض الندماء ممن خاب بهم الضن واستسلموا للحقد والكراهية والغيرة وبدلاً من تقدير كفاحي وتشجيعي وجّهوا إليّ سهام نقدٍ مغلفة بالتهكم والسخرية قال أحدهم متهكماً: "أنت بدك تصلح الكون وشكلك مستوزر؟ ثم اتبعها بقهقه وتابع والله تغازل الجهات الأمنية ؟؟!!!!! وقال آخر لا تشد حيلك ترى إن طلعت والله نزلت كلك عسكري متقاعد وشو الصوص وشو مرقته؟؟؟!!!". كانت الكلمات تقطر استهانة وتحاول بائسة أن تحجم طموحي وحبي لبلدي في إطار ضيق من النظرة الدونية ل رتبة ضابط الصف.
نظرت إليهم بهدوء الواثق وبقلبٍ لم تدنسه المادة وقلت: نعم أتشرف وأفخر بأن أكون ضابط صف ممن وصفهم المغفور له الحسين طيب الله ثراه بعصب القوات المسلحة وإن كان المجتمع يرى في هذه الرتبة عاراً أو نقصاً فهي خوذة شرف ووسام عظيم أعلقها على صدري ولا يمكن أن تجلب المعارك وتحقق الانتصارات وتولد القيادات والرتب العليا بدون ضباط صف ولا يكون وزراء مناصب عليا بدون وظائف صغيرة تعمل بالمؤسسات والوزارات كخلايا نحل نعم أعلم أن المجتمع وكثير من أصحاب القرار يزدون أصحاب الوظائف الصغيرة وضباط الصف ويعتبرون أن هذا ماض عار يجردهم من حق الترشح لاي منصب قيادي مهما علت بهم الدرجات العلمية والكفاءة العملية ونقاء سجلاتهم الوطنية لذا فإني لا أتامل ذلك سيما واني حرمت من حقوق كثيرة بسبب ما يراه مرضى النفوس عار وأراه شرف وتاج عزة وفخار ويكفيني في هذه الحياة طهارة يدي ونقاء ثوبي وحبي الصادق لوطني الذي كافحت في سبيله دون أن أسعى يوماً لاستغلاله أو التكسب من ورائه ففي الوقت الذي هرع فيه الكثيرون وراء المصالح الذاتية وتزاحموا على أبواب المحسوبية قلت ولله الحمد العظيم: لن أكذب ولن أتنكر لمبادئي ولن أتوسط لأخون بلدي إن الأوطان تسمو فوق كل الاعتبارات الشخصية ونحن لا نرتقي إلا بعزتها سأبقى ذلك الجندي الوفي بفكره وقلمه محارباً للفساد ومنتقداً لكل مسؤول يسير في طريق الإساءة لهذا التراب الطاهر فالجندية عقيدة والشرف لا يموت بالتقاعد حفظ الله أردن العزة والرباط ومصدر الفخر والوقار وشعبه الطيب برجالاته النشامى الاحرار بناة الرفعة وحماة الديار في ظل سلالة المصطفى المختار وحادي ركبها جلالة الملك عبدالله الثاني بن الحسين سيد الاحرار حفظه الله من تقلبات الزمن والحاقدين الاشرار .