بقلم: العميد الركن المتقاعد الدكتور عبدالمجيد علي الكفاوين
لم يعد الإعلام الوطني في البيئة الاستراتيجية الراهنة مجرد أداة لنقل الأخبار وتغطية الأحداث، بل أصبح أحد مكونات القوة الوطنية، وأداة مؤثرة في حماية الأمن الوطني، وتعزيز تماسك المجتمع، وصناعة الوعي العام.
فمع التحول الرقمي المتسارع، وتدفق المعلومات، واتساع تأثير منصات التواصل الاجتماعي، لم تعد المجتمعات تواجه مشكلة نقص المعلومات، بقدر ما تواجه تحدي وفرة المعلومات وصعوبة التمييز بين الحقيقة والتضليل. وأصبحت الشائعات والمعلومات المضللة والحملات الرقمية المنظمة قادرة على التأثير في الرأي العام، وإضعاف الثقة بالمؤسسات، وإرباك المجتمع، واستثمار الأزمات في تعميق الاستقطاب.
ومن هنا، فإن التحدي الاستراتيجي أمام الإعلام الوطني لم يعد يقتصر على سؤال: كيف ننقل الحدث؟ بل أصبح: كيف نستشرف الحدث، ونفسره، ونبني الوعي حوله، ونواجه تداعياته قبل أن تتحول المعلومات المضللة إلى أزمة؟
وهذا يتطلب الانتقال من الإعلام التفاعلي إلى الإعلام الاستباقي؛ إعلام يمتلك قدرات الرصد والتحليل والاستشراف، ويقدم المعلومة الدقيقة في الوقت المناسب، ويفسر خلفيات الأحداث وتداعياتها، ويعزز قدرة المواطن على قراءة المشهد الوطني والإقليمي بوعي، بعيداً عن التهويل والتضليل.
كما أن بناء المناعة المجتمعية لا يتحقق بملاحقة الشائعات بعد انتشارها فقط، وإنما ببناء وعي قادر على اكتشافها ومقاومتها. ولذلك تبرز أهمية الاستثمار في التربية الإعلامية والرقمية، ولا سيما لدى الشباب، وتنمية مهارات التفكير النقدي والتحقق من مصادر المعلومات، بما يحول المواطن من متلقٍ سلبي إلى شريك واعٍ في حماية الفضاء المعلوماتي الوطني.
وفي المقابل، فإن سرعة الاستجابة والشفافية والاتساق في الخطاب الرسمي تشكل عناصر أساسية في بناء الثقة؛ فكلما كانت المعلومة الموثوقة حاضرة في الوقت المناسب، ضاقت المساحة التي يمكن أن تشغلها الشائعة والتأويلات والمعلومات المضللة.
كما ينبغي التعامل مع الذكاء الاصطناعي باعتباره فرصة استراتيجية وتحدياً في آن واحد، من خلال توظيفه في الرصد المبكر، وتحليل الاتجاهات، واكتشاف المحتوى المضلل والمصطنع، وتطوير أدوات وطنية للتحقق الرقمي والاستجابة للمخاطر المعلوماتية.
وفي السياق ذاته، يمثل تعزيز السردية الوطنية الأردنية ركناً مهماً في بناء الوعي؛ من خلال توثيق تاريخ الدولة ومسيرتها وإنجازاتها وقيمها الوطنية، وتقديمها للأجيال الجديدة بلغة وأدوات إعلامية حديثة قادرة على الحضور والمنافسة في الفضاء الرقمي.
ومن هنا، فإن المطلوب لا يقتصر على تطوير أداء المؤسسات الإعلامية، بل يتجاوز ذلك إلى بناء منظومة وطنية متكاملة للوعي والمناعة الإعلامية، تقوم على الشراكة بين المؤسسات الإعلامية والأكاديمية والوطنية، وتجمع بين الرصد والاستشراف، والتحقق والاستجابة، والتوعية والتثقيف، وقياس اتجاهات الرأي العام.
إن الاستثمار في الإعلام الوطني لم يعد استثماراً في قطاع إعلامي فحسب، بل أصبح استثماراً في الأمن الوطني والاستقرار والثقة المجتمعية والقدرة على الصمود أمام الأزمات والحملات المعلوماتية.
وعليه، فإن الرؤية الاستراتيجية التي ينبغي أن نتجه إليها تتمثل في:
الانتقال من إعلام ينقل الحدث إلى إعلام يستشرفه، ومن إعلام يلاحق الشائعة إلى إعلام يحاصر بيئتها، ومن إعلام ينقل المعلومة إلى إعلام يصنع الوعي؛ وصولاً إلى مجتمع يمتلك المناعة المعرفية والإعلامية التي تحمي تماسكه وثقته ومستقبله.
ففي عصر أصبحت فيه المعلومة إحدى أدوات القوة والتأثير، أصبح بناء وعي المواطن جزءاً من بناء قوة الدولة، وأصبحت المناعة المجتمعية إحدى ركائز الأمن الوطني.