قدمت حركة حماس على مدار عشرين عاماً محمد دحلان لجمهورها وللعالم العربي والإسلامي
على صورة "الخصم المطلق"؛ فصنّفته كرمز للفساد وصانعٍ لفرق الموت ورجل السلطة الخائن المفرّط بحقوق شعبه وثوابته وتشكّلت الذاكرة السياسية الفلسطينية بناءً على خطابات حادة ومواقف راديكالية صاغت المشهد العام. وفي قلب هذا المشهد لم تكن هذه الاتهامات مجرد مناكفات سياسية عابرة بل تحولت إلى جزء بنيوي من سردية الحركة والغطاء الأيديولوجي والأخلاقي الذي استُخدم لتبرير أحداث الانقسام عام 2007 والسيطرة على قطاع غزة لكن السياسة البراغماتية أثبتت مجدداً أن التحالفات تولد من رحم المصالح لا المبادئ وهذا ما يفسر كثير من مواقف حماس المتناقضه تجاه بعض الدول العربية وأولها الاردن .
اليوم نرى خطوط الخصومة القديمة تذوب ليلتقي الطرفان في تفاهمات سياسية وتحالفات خفية ومعلنة هذا التحول الدراماتيكي يضع السردية السابقة أمام اختبار حقيقي ويفجر تساؤلات منطقية وأخلاقية حتمية.
فإذا كان دحلان بريئاً من كل تلك التهم الثقيلة التي نُسبت إليه طوال عقدين فإن هذا يمثل اعترافاً ضمنياً بأن جزءاً كبيراً من مبررات الانقسام كان قائماً على تضليل ممنهج للجمهور وأن جريمة كبرى قد ارتكبت بحق الشعب الفلسطيني وقضيته بناءً على أوهام سياسية.
وفي المقابل إذا كانت تلك الاتهامات صحيحة وثابتة فكيف يستقيم منطق المقاومة والمبادئ مع تحويل من وُصف بالخيانة والفساد والقتل إلى شريك وحليف سياسي؟ ؟؟!! هذا التناقض الصارخ يترك أتباع الطرفين وخاصة القواعد الشعبية لحركة حماس في حالة من الذهول والمأزق الفكري بعد سنوات طويلة من التعبئة والشحن القائم على تخوين هذا القطب. وهل هذا التحالف هو المدخل والمطية المناسبة لتطبيق المخططات الإسرائيلية والأمريكية لغزة ما بعد الحرب؟؟!!
إن هذا التناقض الكبير بين المواقف والسياسات على الساحة الفلسطينية مابين الزعامات والحركات والخفافيش الذين دأبوا على جلد الدولة الأردنية ومحاكمة مواقفها وتجاهل الدور الأردني التاريخي والعروبي في حماية القضية الفلسطينية والدفاع عن المقدسات هؤلاء الذين غمضوا أعينهم عن تضحيات الأردن يجدون أنفسهم اليوم عراة مجردين بلا غطاء أخلاقي أمام تقلبات التحالفات البراغماتية لمن دافعوا عنهم إن هذا المشهد السياسي المتقلب يفرض مراجعة وطنية وعربية صريحة وعميقة. مراجعة تؤكد ضرورة الاصطفاف الواعي مع الدولة الأردنية وقيادتها الهاشمية التي أثبتت على مدى العقود الماضية طهارة اليد وصدق الوعد وثبات الموقف دون تقلب أو مساومة على الحقوق العربية والفلسطينية ليبقى الأردن الصخرة الثابتة في بيئة سياسية متحركة لا تحكمها سوى المصالح الضيقة وتبقى القيادة الهاشمية عترة المصطفى صلى الله عليه وسلم المنارة التي يهتدي بها من أراد الرفعة والعزة والاباء .