ليست كل الحروب تُسمع فيها أصوات الرصاص، فهناك حروب تبدأ بصمت، وتتسلل إلى البيوت من أبواب لا ننتبه إليها، وقد تختبئ خلف ابتسامة صديق أو رسالة هاتف أو تجربة يظنها البعض عابرة. ومن أخطر هذه الحروب حرب المخدرات، وفي مقدمتها مادة الكريستال ميث، التي تمثل خطراً بالغاً على الإنسان والأسرة والمجتمع.
الكريستال ليس تجربة عابرة، ولا طريقاً للمتعة أو الهروب من ضغوط الحياة، بل مادة شديدة الخطورة قد تقود إلى الإدمان، وتترك آثاراً قاسية على الصحة والسلوك والعلاقات الاجتماعية، وقد تدفع الإنسان إلى خسارة أغلى ما يملك: نفسه وأسرته ومستقبله.
والسؤال الأخطر: من الذي يحاول وضع هذه السموم في متناول أبنائنا؟
إنه المروج الذي لا يرى في الشاب إنساناً له أحلام وطموحات ومستقبل، بل يراه فرصة للربح. يقترب منه، يستغل ضعفه أو فضوله، يزين له الوهم، ثم يتركه وحيداً في مواجهة الإدمان، بينما يبحث هو عن ضحية جديدة.
ولهذا يجب أن تكون رسالتنا واضحة وحاسمة: لا تساهل مع من يتاجر بعقول أبنائنا ومستقبلهم.
فالمروج لا يبيع مادة ممنوعة فحسب، بل يستهدف أسرة، ويهدد مستقبلاً، ويفتح أبواباً للخطر، ويسهم في تفكك المجتمع.
وفي مقدمة المؤسسات التي تتحمل مسؤولية التصدي لهذه الآفة، تقف مديرية الأمن العام، ممثلة بإدارة مكافحة المخدرات، التي تواصل جهودها في مواجهة المروجين والمتاجرين وملاحقة الشبكات التي تستهدف المجتمع وشبابه.
إن رجال مكافحة المخدرات يخوضون مواجهة أمنية وإنسانية بالغة الحساسية، وكل جهد يبذلونه في التصدي لهذه الآفة يعني حماية إنسان، وإنقاذ أسرة، ومنع السموم من الوصول إلى ضحية جديدة.
لكن المعركة لا يمكن أن تنجح بالجهد الأمني وحده. فالأسرة هي خط الدفاع الأول، وعليها أن تكون أكثر قرباً من أبنائها، وأن تستمع إليهم قبل أن تحكم عليهم، وأن تنتبه إلى التغيرات السلوكية، وأن تطلب المساعدة المختصة عند الحاجة.
كما أن المدرسة والجامعة والإعلام والمؤسسات الشبابية والرياضية شركاء أساسيون في الوقاية والتوعية، وفي توفير بيئة آمنة تفتح أمام الشباب أبواب الرياضة والعمل والإبداع والطموح.
وإلى شبابنا نقول: لا تسمحوا لأحد أن يقنعكم بأن المخدرات دليل على القوة أو الرجولة.
القوة أن تملك قرارك، والرجولة أن تقول «لا»، والنجاح أن تبني مستقبلك لا أن تهدمه بيديك.
قد تبدأ الحكاية بكلمة بسيطة: «جرّب»، وقد تنتهي بخسارة سنوات من العمر، والأسرة، والصحة، والدراسة، والعمل، والأحلام.
أما من وقع في الإدمان ويريد الخلاص، فيجب أن يبقى طريق العلاج والتأهيل مفتوحاً أمامه؛ لأننا لا نحارب أبناءنا، بل نحارب من يريد خطفهم.
إن الأردن لا يملك رفاهية الصمت أمام هذه الآفة، لأننا نتحدث عن جيل هو ثروة الوطن ومستقبله.
فلنقف جميعاً خلف جهود رجال الأمن العام وإدارة مكافحة المخدرات، ولنكن شركاء في الوقاية والتوعية والإبلاغ عن الأنشطة المشبوهة عبر القنوات الرسمية، ورفض التستر على المروجين.
الكريستال سمٌّ يقتل العقول، وتجار المخدرات تجار موت، ورجال الأمن يقفون لهم بالمرصاد.
حماية أبنائنا ليست مسؤولية الأمن وحده.. إنها مسؤولية وطن بأكمله.
حفظ الله الأردن وأبناءه، ووفق رجال الأمن العام وإدارة مكافحة المخدرات في أداء واجبهم الوطني، وحمى وطننا من كل من يحاول استهداف أمنه وشبابه ومستقبله.