أصبحنا في زمنٍ تعود فيه بعض مفاهيم الجاهلية بثوبٍ جديد، حين يُفرَّق بين الناس على أساس القبيلة أو العشيرة أو المنطقة أو الأصل، ويصبح سؤال «إنت من وين؟» وكأنه معيار لقيمة الإنسان ومكانته.
ومثل هذه النظرة قد تكون شرارة الكراهية في الجسد الواحد؛ فتجعل أبناء الوطن الواحد أجزاءً متفرقة، لا تلاحم بينها ولا انسجام، ويضعف معها الشعور بالانتماء المشترك، وكأن لكل مجموعة وطنًا مختلفًا عن الآخر.
لكن الحقيقة التي يجب ألا تغيب هي أن الوطن هو المظلة التي تجمع الجميع، واحترام الوطن والولاء له يجب أن يكونا فوق كل انتماء ضيق. فالقبيلة والعشيرة والمنطقة قد تكون جزءًا من هوية الإنسان الاجتماعية، لكنها لا ينبغي أن تكون سببًا للتعالي على الآخرين أو الانتقاص منهم أو تقسيم الوطن إلى جماعات متنافسة.
إن احترام الوطن والولاء له، واحترام قيادته ومؤسساته، والمحافظة على أمنه واستقراره، واحترام أبناء مجتمعه جميعًا، هي قيم يجب أن تبقى في مقدمة كل انتماء. فالأرض التي جمعتنا واحدة، والهوية الوطنية واحدة، والمصير واحد، وما يجمعنا أكبر بكثير مما يفرقنا.
والزعامة الحقيقية ليست في تكريس الفوارق بين الناس، وإنما في العدل والإحسان واللين، وفي جمع القلوب لا تفريقها؛ وفي أن يشعر كل فرد أنه جزء أصيل من وطنه، له فيه حق وعليه تجاهه واجب.
لذلك، فلنبتعد عن السؤال الذي يضع بيننا الحواجز: «إنت من وين؟ "ولنسأل بدلًا منه": كيف نحافظ على وطننا؟ وكيف نخدمه؟ وماذا نستطيع أن نقدم له؟
فالوطن لا يحتاج إلى أجزاء متفرقة، بل إلى شعب متلاحم؛ ولا يحتاج إلى ولاءات متصارعة، بل إلى ولاء وطني يجمع الجميع.
احترام الوطن والولاء له أولًا، ثم تأتي بعد ذلك كل الانتماءات الأخرى في إطارها الطبيعي، دون أن تتحول إلى عصبية أو تفرقة أو كراهية.