في كل مناسبة فرح، نجتمع على المحبة ونشارك أهل المناسبة فرحتهم، ونفرح للعريس والعروس كما نفرح لأبنائنا وإخواننا، ونريد أن تبقى تلك اللحظات الجميلة ذكرى طيبة في حياة الجميع، لكن هناك سلوكًا ما زال يؤرقنا ويهدد هذه الأفراح، وهو إطلاق العيارات النارية ابتهاجًا بالمناسبات، وهي عادة قد تبدأ بحماس وفرحة وتنتهي، لا سمح الله، بحادث مؤلم لا يمكن إصلاح نتائجه ولا يستطيع الزمن أن يعيد ما فقدناه بسببه.
يا شبابنا، يا من أنتم عنوان الحماس والفرح والنخوة، يا من نفرح بوجودكم في كل مناسبة ونعتز بكم وبحضوركم، أتوجه إليكم اليوم برجاء صادق من القلب، وأقول لكم: لا تجعلوا فرحتكم سببًا في حزن بيت آخر، ولا تجعلوا لحظة حماس عابرة تتحول إلى مأساة تعيشها أسرة كاملة بقية عمرها، فالرصاصة التي تطلقونها في الهواء لا تعرف أنها خرجت من أجل الفرح، ولا تعرف صاحب المناسبة من الإنسان الذي يسير في الشارع، ولا تعرف الطفل الذي يلعب أمام بيته من الرجل الذي يقود سيارته عائدًا إلى منزله، وقد تهبط في المكان الخطأ وفي اللحظة الخطأ فتأخذ معها حياة إنسان بريء لا ذنب له.
قد يكون الشاب الذي يرفع سلاحه ويطلق النار في مناسبة فرح سعيدًا بما يفعله، وقد يعتقد أن ما يقوم به مجرد تعبير عن الحماس والمشاركة في الفرحة، لكنه لا يستطيع أن يعرف أين ستسقط تلك الرصاصة بعد أن تغادر سلاحه، ولا يستطيع أن يضمن أنها لن تصيب إنسانًا أو تدخل بيتًا أو تخترق سيارة أو تستقر في جسد طفل أو أم أو أب أو شاب كان عائدًا من عمله، ولذلك فإن المسألة ليست مجرد عادة قديمة أو وسيلة لإظهار الفرح، وإنما مسؤولية حقيقية تجاه أرواح الناس التي لا يجوز أن نضعها تحت رحمة لحظة حماس أو تصرف طائش.
تخيلوا معي أن عرسًا كان مليئًا بالزغاريد والابتسامات، وأن أهل العريس كانوا يستقبلون المهنئين وهم في قمة السعادة، وأن العروس كانت تنتظر بداية أجمل أيام حياتها، ثم في لحظة واحدة يتحول المشهد كله إلى صراخ وبكاء، وتتحول الزغاريد إلى نحيب، ويتوقف الفرح أمام خبر إصابة إنسان أو وفاته، وتصبح الكلمة التي كانت قبل دقائق «مبروك» هي «الله يرحمه»، وتتحول المناسبة التي انتظرها أهلها شهورًا وربما سنوات إلى ذكرى مؤلمة تلاحقهم طوال حياتهم، فهل هناك إنسان يمكن أن يقبل أن تكون فرحته سببًا في كل هذا الألم؟
لا تتركني بفرحتك بين «مبروك» و«الله يرحمه».
هذه ليست مجرد عبارة، وإنما هي أمنية ورجاء لكل شاب وكل أب وكل أخ وكل شخص يحمل السلاح في مناسبة فرح، لأننا لا نريد أن يأتي يوم يكون فيه الإنسان واقفًا في فرح عزيز عليه، ثم يجد نفسه بعد لحظات أمام مستشفى أو عزاء أو جنازة، ولا نريد لأم أن تزغرد لابنها في بداية المناسبة ثم تستقبل خبر وفاته، ولا نريد لأب أن يخرج من بيته ليشارك الناس فرحتهم ثم يعود إليه مكسور القلب، ولا نريد لطفل أن ينتظر أباه حتى يعود من العرس ثم يكتشف أنه لن يعود أبدًا بسبب رصاصة أطلقت في الهواء.
إن الرجولة الحقيقية ليست في رفع السلاح وإطلاق النار، وإنما في أن تكون قادرًا على السيطرة على نفسك وعلى حماسك، وأن تعرف أن الإنسان القوي ليس من يطلق الرصاص، بل من يستطيع أن يمنع غيره من إطلاقه، وأن الشهامة ليست في أن تجعل صوت الرصاص أعلى من صوت الفرح، وإنما في أن تحمي الناس من الخطر وتحافظ على سلامتهم، وأن الفزعة الحقيقية ليست في مشاركة الآخرين بإطلاق العيارات النارية، وإنما في أن تكون أول من يقول: كفى، دعونا نفرح دون أن نؤذي أحدًا.
يا شبابنا، أنتم أبناء هذا المجتمع وأنتم فرحة أهلكم وعزوتهم وسندهم، فلا تجعلوا لحظة حماس تعرض حياتكم وحياة الآخرين للخطر، ولا تسمحوا لعادات قديمة أن تكون أقوى من وعيكم وعقولكم، فالمجتمع يتغير عندما يملك أبناؤه الشجاعة ليقولوا إن بعض الممارسات التي اعتدنا عليها لم تعد مقبولة، وإن الاحتفال الحقيقي هو الذي يحافظ على الإنسان ويصون حياته، وليس الذي يعرّضه للخطر من أجل دقائق من الحماس.
وإذا رأيت شابًا متحمسًا يريد إطلاق النار في مناسبة، فلا تتركه وحده، ولا تخجل من نصحه، ولا تعتبر تدخلك في الأمر إفسادًا للفرح، بل على العكس، أنت في تلك اللحظة تحمي الفرح وتحمي أهل المناسبة وتحمي إنسانًا قد لا تعرفه، وقد تكون كلمتك سببًا في إنقاذ حياة إنسان، وربما لا تعرف أبدًا قيمة ما فعلته، لكنك ستعرف أن أجمل مشاركة في الفرح هي أن تساعد في عودته إلى نهايته دون إصابة أو وفاة أو مأساة.
نحن أهل النخوة والكرم والشهامة، ومن أجمل ما في مجتمعنا أن نقف إلى جانب بعضنا في الأفراح والأتراح، ولذلك فإن المحافظة على أرواح الناس يجب أن تكون فوق كل عادة وفوق كل حماس، لأن الرصاصة عندما تخرج لا يمكن إعادتها، والخطأ عندما يقع لا تنفع معه كل كلمات الاعتذار، والإنسان الذي يفقد حياته لا يمكن أن تعيده الدموع، والبيت الذي يتحول إلى بيت عزاء لا تستطيع كل أفراح الدنيا أن تعيد إليه الفرح الذي كان فيه.
فلنفرح، ولنشارك بعضنا مناسباتنا، ولنرفع أصواتنا بالتهليل والتكبير والتصفيق والزغاريد، ولنملأ الأماكن بالمحبة والابتسامات، ولكن لنجعل السلاح بعيدًا عن أفراحنا، لأننا لا نريد أن يكون احتفالنا مصدر خوف لأحد، ولا نريد أن تكون مناسبة جميلة سببًا في إصابة إنسان أو تدمير بيت أو تشريد أسرة أو حرمان أطفال من أبيهم.
إن أجمل عرس هو ذلك الذي ينتهي والجميع سالمون، وأجمل فرحة هي التي يعود بعدها كل إنسان إلى بيته وهو يحمل في قلبه ذكرى جميلة، وأجمل تهنئة هي أن نقول «مبروك» ونبقى على هذه الكلمة دون أن تضطرنا كارثة إلى استبدالها بـ«عظم الله أجركم»، وأجمل ما يمكن أن نقدمه لأهل المناسبة هو أن نحافظ على فرحتهم ونحمي من حولهم من أي خطر يمكن أن يحول تلك المناسبة إلى مأساة.
لذلك أقولها لكل شاب محب للفرح ومتحمس لمشاركة أهله وأصدقائه مناسباتهم: أرجوك، لا تطلق النار، ولا تجعل حماسك سببًا في وجع أم أو فقد أب أو يتم طفل أو ترمل زوجة، ولا تجعل فرحة قصيرة تترك وراءها عمرًا كاملًا من الندم، لأن الإنسان عندما يخسر عزيزًا لا يستطيع أن يقول بعد ذلك إن الرصاصة كانت مجرد لحظة فرح.
فلنكن جميعًا على قدر المسؤولية، ولنجعل من أفراحنا نموذجًا للوعي والاحترام والمحبة، ولنجعل رسالتنا واضحة لأبنائنا وشبابنا بأن الفرح لا يحتاج إلى رصاص، وأن الرجولة ليست في إطلاق النار، وأن أجمل ما يمكن أن نقدمه لبعضنا هو أن نفرح معًا ونعود جميعًا إلى بيوتنا سالمين.
لا تتركني بفرحتك بين «مبروك» و«الله يرحمه»؛ ففرحتك غالية، ولكن حياة الإنسان أغلى، وفرحة اليوم لا يجوز أن تكون حزنًا مدى الحياة.
حفظ الله شبابنا وأبناءنا وأهلنا، وحفظ أفراحنا ومناسباتنا من كل مكروه، وجعل بيوتنا عامرة بالفرح والمحبة والسلام، وأبعد عن الجميع كل حادث مؤلم وكل رصاصة طائشة قد تحول أجمل أيام العمر إلى ذكرى لا تنسى.