في كل مرة تقع فيها جريمة قتل، يتسابق البعض إلى ترديد العبارة ذاتها: "هذه عادة دخيلة على مجتمعنا." لكن الحقيقة التي يجب أن نواجهها بشجاعة هي أن تكرار هذه الجرائم لم يعد يسمح لنا بالاكتفاء بهذه الجملة، مهما كانت صحيحة في أصلها. فحين يصبح القتل خبراً يومياً، وحين تتحول المشاجرات إلى جنازات، فإن الواجب يفرض علينا أن نسأل: أين الخلل؟ وأين الحل؟
لقد عُرف المجتمع الأردني عبر تاريخه بقيمه الأصيلة، وباحترامه لحرمة الدم، وباحتكامه إلى العقل والحكمة. إلا أن ما نشهده اليوم من تصاعد في جرائم العنف والقتل يدق ناقوس الخطر، ويستوجب وقفة وطنية صادقة، بعيداً عن المجاملات أو تبرير الواقع.
إن القتل هو أبشع الجرائم، لأنه اعتداء على الحق الذي جعله الله مقدساً، وهو حق الحياة. فلا فرق عند أسرة الضحية بين رصاصة أو طعنة أو أداة أخرى، ولا فرق بين مشاجرة لحظية أو خلاف عابر؛ فالنتيجة واحدة: روح أُزهقت، وأم تبكي ولدها، وأطفال فقدوا آباءهم، وأسر تحولت حياتها إلى مأساة لن تنتهي.
قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ﴾، وقال سبحانه: ﴿مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا﴾. وهذه الآيات وحدها كافية لتؤكد أن حرمة الدم ليست قضية قانونية فحسب، بل هي فريضة دينية وأخلاقية وإنسانية.
وأمام هذا الواقع، لا بد من طرح أسئلة مؤلمة، لكنها ضرورية: أين دور الأسرة في غرس قيم التسامح وضبط النفس؟ أين دور المدرسة والجامعة في بناء الشخصية؟ أين دور الإعلام في محاربة ثقافة العنف؟ وأين دور وجهاء العشائر ورجال الإصلاح في وأد الفتن قبل أن تتحول إلى جرائم؟ فالمسؤولية اليوم جماعية، ولا يجوز أن تُلقى على جهة واحدة.
كما أن المرحلة تتطلب مراجعة مستمرة للمنظومة القانونية والإجرائية بما يعزز الردع ويؤكد هيبة القانون، مع سرعة الفصل في القضايا، وتطبيق العدالة بحزم وشفافية، لأن حماية المجتمع تبدأ من ترسيخ الثقة بأن القانون هو المرجعية التي يحتكم إليها الجميع.
وفي الوقت نفسه، لا بد من معالجة الجذور الحقيقية للعنف؛ من خلال تعزيز التربية، وترسيخ ثقافة الحوار، والحد من خطاب الكراهية، والتصدي لكل ما يغذي النزاعات ويحول الخلافات البسيطة إلى مواجهات دامية.
إننا لا نكتب اليوم لإثارة الخوف، بل لإطلاق صرخة مسؤولية. فكل قطرة دم تُراق هي خسارة للوطن، وكل جريمة قتل تترك ندوباً في المجتمع يصعب محوها. ولن نحمي أبناءنا إلا إذا اجتمعنا جميعاً على كلمة واحدة: لا مكان للعنف، ولا مبرر للقتل، ولا أحد فوق القانون.
كفى نزيفاً للأرواح... فالأردن يستحق أن يبقى وطناً آمناً، يحكمه القانون، وتحميه قيمه الأصيلة، ويصان فيه الإنسان، لأن حرمة الدم فوق كل اعتبار، ولأن الحياة ليست ملكاً لأحد حتى يسلبها من غيره.