هناك رجال سمعنا عنهم الحكايات الجميلة وتركوا أثرا طيبا، ومواقف رجولية خالدة، وإرث تتناقله الأجيال جيلا بعد جيل لم يكن فارقا معهم من يتبادل الحديث عنهم ومن يمجدهم. رجال إذا ذكروا حضرت الهيبة، وإذا استعيدت سيرتهم استعاد الناس معها زمنا كانت فيه الكلمة عهدا وميثاقا، والوفاء خلقا، والرجولة مسؤولية لايتحملها الا من كان أهلا لها.
ومن هؤلاء الرجال، جدي سلامة بن حسن النوارات المعاقبة، الذي كلما سمعت عنه من كبار السن، ومن أهلي، ومن كل من عاصره أو سمع بسيرته، ازددت يقينا أن الرجال العظام لا تصنعهم الظروف الميسرة، بل تصنعهم المواقف والتحديات الصعبة، وأن التاريخ الحقيقي يكتب بالأفعال لا بالكلمات المنمقه.
لقد عاش في حقبة لم تكن سهلة أبدا، اتسمت بقلة الإمكانيات وكثرة التحديات، إلا أن ذلك لم يمنعه من أن يكون صاحب أثر عظيم آنذاك، وترك بصمة ما زالت حاضرة في ذاكرة الناس لغاية هذه اللحظة، فقد كان مثالا للحكمة، والكرم، والشهامة، والإصلاح بين الناس، حتى أصبح اسمه عنوانا للثقة والاحترام ويقصده القاصي والداني.
ولم يكن كرمه حديثا يروى فحسب، بل كان واقعا عاشه الناس وشهدوا عليه فقد عرف بيته بين أهل المنطقة باسم "بيت الخبز"، لأنه كان مفتوحا للمحتاجين، وعابري السبيل، ولكل من قصد بابه طالبا للعون والمساعدة، فما كان محتاج يغادر بيته إلا وقد نال من خيره، دون منة أو انتظار مقابل، وكان يؤمن بأن المال الحقيقي هو ما ينفق لوجه الله تعالى، وأن الكرم لا يكتمل إلا إذا اقترن بالتواضع وحفظ كرامة الناس وحاجتهم.
وكان من أثرياء زمانه، إذ امتلك أعدادا كبيرة من الضأن والماعز والإبل والأبقار، حتى عدت ثروته من أبرز الثروات في تلك الفترة. ومع ذلك كله، لم يجعل غناه وسيلة للتباهي، بل جعله بابا للخير وخدمة المجتمع، وقد عمل لديه عدد كبير من أبناء المنطقة، فكان بيته مصدر رزق لكثير من الأسر المحتاجة، وكانت معاملته قائمة على العدل والإنصاف والإحسان، فجمع بين نعمة الثراء وفضيلة السخاء، وبين قوة المكانة وحسن الخلق.
ولم يقتصر عطاؤه على إطعام الجائع أو مساعدة المحتاج فقط، بل امتد ليحتضن من فقدوا السند في الحياة، فكان، كما يروي كبار السن، يفتح أبواب بيته لكل يتيم يحتاج إلى الرعاية، فيعيش بينهم فردا من الأسرة، يحظى بالعناية والتربية والاهتمام، حتى إذا بلغ سن الزواج تكفل بإعداده ومساندته حتى يبدأ حياته الكريمة، ولم يكن ينظر إلى ذلك على أنه فضل يمنحه، بل كان يراه واجبا إنسانيا ودينيا، يؤدى بإخلاص ومحبة، حتى أصبح بيته ملاذا للأيتام قبل أن يكون مأوى للمحتاجين، وبقي هذا الخلق الكريم شاهدا على سمو نفسه وعظيم رحمته بالناس.
ولعل من أجمل ما بقي شاهدا على تلك الأيام ذلك الختم الذي حمل اسمه....ختم سلامة بن حسن النوارات المعاقبة......فلم يكن مجرد قطعة من المعدن أو وسيلة للتوثيق، بل كان رمزا لمكانة صاحبه، وشاهدا على معاملات وقرارات ومواقف وأحداث مرت بها قرية فقوع وبني حميدة في مرحلة تاريخية مهمة. وكلما طبع ذلك الختم على وثيقة، حمل معه معاني الصدق، والأمانة، والالتزام، وهي القيم التي عرف بها صاحب الختم.
لقد رحل الرجال الذين صنعوا تلك المواقف، لكن آثارهم بقيت تنبض في ذاكرة الناس لغاية الآن. وسلامة بن حسن النوارات المعاقبة واحد من أولئك الذين لم تبق أسماؤهم في السجلات فحسب، بل بقيت في القلوب، لأن سيرتهم لم تبن على منصب أو مصلحة، وإنما على حسن الخلق، ونقاء السريرة، وخدمة الناس، وإصلاح ذات البين.
وما أجمل أن يرث الأحفاد من أجدادهم اسما طيبا قبل أن يرثوا المال والأرض، وأن يجدوا في سيرتهم مصدر إلهام يدفعهم إلى التمسك بالقيم والمبادئ التي عاشوا من أجلها، فالفخر الحقيقي ليس في الانتساب إلى الأجداد ، وإنما في المحافظة على إرثهم الأخلاقي، والسير على النهج الذي تركوه.
إن الحديث عن سلامة بن حسن النوارات المعاقبة ليس حديثا عن رجلٍ رحل، بل عن مدرسة في المروءة والوفاء، وعن صفحة مشرقة من تاريخ أسرة، وقبيلة بني حميدة، ومجتمع، تؤكد أن الرجال الصادقين يكتبون أسماءهم في القلوب قبل أن تكتبها الكتب، وأن أعظم ما يتركه الإنسان بعد رحيله هو سيرة طيبة ودعاء صادق وذكر حسن لا ينقطع.
رحم الله جدي سلامة بن حسن النوارات المعاقبة رحمة واسعة، وغفر له، وأكرم نزله، وجعل قبره روضة من رياض الجنة، وجزاه عن أهله وعشيرته ومجتمعه خير الجزاء، وستبقى ذكراه حاضرة ما حيينا، لأن التاريخ لا يحفظ إلا أصحاب المواقف، ولأن الرجال العظماء لا يموتون ما دامت أعمالهم الطيبة حية في قلوب الناس.