في كل مرة تظهر فيها نتيجة الثانوية العامة، أسأل نفسي السؤال ذاته: لو كنت أملك حينها الخبرة الحياتية التي أملكها اليوم، هل كنت سأختار التخصص نفسه؟ والإجابة دائمًا: لا. كنت سأختار بطريقة مختلفة، وأفكر بمنظور مختلف، وربما كنت سأمنح نفسي وقتًا أكبر لفهم ذاتي قبل أن أحدد مستقبلي.
لا أظن أنني وحدي من يطرح هذا السؤال. فكثيرون يعودون بذاكرتهم إلى تلك الأيام التي كانوا فيها في السابعة عشرة أو الثامنة عشرة من العمر، حين كان عليهم أن يتخذوا قرارًا سيحدد جانبًا مهمًا من حياتهم، بينما لم يكونوا قد اكتشفوا أنفسهم بعد، ولم يختبروا الحياة، ولم يدركوا أن سوق العمل يتغير بوتيرة أسرع من أي وقت مضى.
المفارقة أننا نطلب من الطالب أن يختار مهنة قد يمارسها لأربعين عامًا، قبل أن نمنحه الأدوات التي تساعده على معرفة نفسه. نقيس قدرته على الحفظ، لكننا نغفل عن قياس فضوله، وإبداعه، وشخصيته، وطريقة تفكيره. نحتفي بالمعدل، بينما السؤال الأهم يظل غائبًا: هل يعرف هذا الشاب ماذا يحب؟ وفي أي بيئة يبدع؟ وما نوع الحياة التي يطمح إليها؟
لهذا أرى أن أكبر مشروع تربوي نحتاج إليه اليوم ليس تطوير المناهج فقط، بل تطوير طريقة التفكير. فالمجتمعات التي تبني أبناءها على التفكير العلمي لا تربيهم على حفظ الإجابات، بل على طرح الأسئلة الصحيحة. تعلمهم أن يبحثوا عن الأدلة، وأن يقارنوا بين البدائل، وأن يراجعوا قراراتهم عندما تتغير المعطيات، وأن يدركوا أن تغيير الرأي ليس ضعفًا، بل علامة على النضج.
عندما ينشأ الطالب بهذه العقلية، يصبح اختيار التخصص قرارًا واعيًا، لا مجرد استجابة لضغط اجتماعي أو تقليد لأصدقاء أو ملاحقة لتخصصات يقال إنها "الأفضل". عندها سيبحث عن نقطة الالتقاء بين ثلاثة أمور: ما يحبه، وما يستطيع أن يتقنه، وما يحتاج إليه سوق العمل. وهذه هي المعادلة التي تصنع الاستقرار المهني والرضا الشخصي.
ومن المؤسف أن الإرشاد المهني في كثير من مدارسنا يأتي متأخرًا، وكأنه إجراء إداري يسبق تعبئة طلبات القبول الجامعي. بينما يفترض أن يبدأ منذ سنوات الدراسة الأولى، من خلال اكتشاف الميول، وتنمية المهارات، وزيارات المؤسسات، والاحتكاك بأصحاب المهن المختلفة، وتعريف الطلاب بالوظائف التي بدأت تظهر اليوم، وتلك التي قد تختفي خلال العقد القادم.
وفي البحرين، حيث تتسارع وتيرة التحول الاقتصادي، وتتجه الدولة إلى تعزيز الاقتصاد الرقمي والابتكار وريادة الأعمال، تصبح الحاجة أكثر إلحاحًا إلى إعداد جيل يمتلك مهارات المستقبل، لا معارف الماضي فقط. فالتحدي الحقيقي لم يعد في تخريج أعداد أكبر من الجامعيين، بل في تخريج شباب يمتلكون القدرة على التفكير النقدي، والتعلم المستمر، والتكيف مع وظائف لم تكن موجودة قبل سنوات، وربما لم تُخلق بعد. إن الاستثمار الحقيقي ليس في الشهادات وحدها، بل في بناء الإنسان القادر على مواكبة التغيير وصناعة الفرص.
وفي خضم هذا كله، نرتكب خطأ آخر حين نختزل الإنسان في وظيفته. فالعمل ضرورة، لكنه ليس الحياة كلها. لذلك أؤمن بأن كل شاب يجب أن يمتلك هواية يمارسها بعيدًا عن مهنته. الهواية ليست ترفًا، بل استثمار طويل الأمد في الصحة النفسية، وفي الإبداع، وفي بناء شخصية متوازنة. الإنسان الذي يقرأ، أو يعزف، أو يرسم، أو يكتب، أو يمارس الرياضة، يعود إلى عمله أكثر إنتاجية واتزانًا، لأنه لم يجعل مصدر قيمته الوحيد هو الوظيفة.
والأجمل أن كثيرًا من الهوايات أصبحت اليوم فرصًا اقتصادية حقيقية. فالعالم الرقمي أتاح للمصور، والكاتب، والمبرمج، والمصمم، وصانع المحتوى، والحرفي، أن يحول شغفه إلى مشروع، وربما إلى مهنة تفوق دخلًا وتأثيرًا ما كان يتوقعه. ولهذا فإن تعليم أبنائنا مهارة أو هواية لا يقل أهمية عن تعليمهم مادة دراسية، لأن المستقبل سيكون للأكثر قدرة على التعلم والتجدد، لا للأكثر حفظًا للمعلومات.
أما الرسالة التي أود أن تصل إلى كل طالب ينتظر نتيجة الثانوية العامة، فهي أن هذه النتيجة لا تكتب مستقبلك، ولا تختصر قيمتك، ولا تحدد سقف أحلامك. إنها نتيجة لاختبار، وليست نتيجة للحياة. قد تفتح لك بابًا، لكنها لا تغلق بقية الأبواب. فالحياة الحديثة مليئة بفرص التعلم المستمر، والشهادات المهنية، والتعليم الإلكتروني، وريادة الأعمال، والعمل الحر، وإعادة التأهيل، بل إن كثيرًا من الناجحين عالميًا وصلوا إلى قمة مجالاتهم بعد أن غيّروا تخصصاتهم أكثر من مرة.
لقد أصبح النجاح في القرن الحادي والعشرين أقل ارتباطًا بالشهادة، وأكثر ارتباطًا بالقدرة على التعلم، والتكيف، واكتساب المهارات الجديدة. ومن يملك هذه القدرة لن يتوقف عند نتيجة، ولن يخاف من تغيير مساره إذا اكتشف أن طريقًا آخر يناسبه أكثر.
واليوم، كلما قرأت نتائج الثانوية العامة، لا أتمنى لو عاد بي الزمن لأختار تخصصًا مختلفًا، بقدر ما أتمنى أن يأتي يوم لا يضطر فيه أبناؤنا إلى طرح السؤال الذي ما زلت أطرحه على نفسي: "لو كنت أملك من الخبرة ما أملكه اليوم، هل كنت سأختار الطريق نفسه؟". فنجاحنا الحقيقي لن يكون في رفع نسب النجاح، ولا في زيادة أعداد المقبولين في الجامعات، بل في بناء جيل يعرف نفسه جيدًا قبل أن يختار مستقبله، ويمتلك الشجاعة لتغيير مساره إذا اكتشف أن شغفه يقوده إلى طريق آخر. فالأوطان لا تبنى بكثرة الشهادات، وإنما تُبنى بعقول تعرف كيف تفكر، وبشباب يختارون مستقبلهم بوعي، لا تحت ضغط الخوف أو التوقعات.