بقلم / المفكر العربي الدكتور خالد محمود عبد القوي عبد اللطيف
مؤسس ورئيس اتحاد الوطن العربى الدولى ,
رئيس الإتحاد العالمي للعلماء والباحثين
إ ن أعظم ما يُجلِّي بصيرة المؤمن، ويُيقظ قلبه من سُبات الغفلة، هو تدبُّر آيات الله الباهرة في هذا الكون الفسيح. تلك الآيات التي تجمع بين آيات الكتاب المسطور، وآيات الكون المنظور، فكلاهما يهدي إلى الله، ويدل على عظمته ووحدانيته وقدرته الباهرة. وإن من أبرز الآيات الكونية التي تتكرر في عصرنا، وتحمل في طياتها دروسًا بليغة، وعظات بالغة: آية الزلزال، تلك الظاهرة المهيبة التي تذكر الإنسان بضعفه، وتكشف عن عظمة الخالق الجبار -سبحانه وتعالى-، الذي بيده ملكوت كل شيء، وإليه ترجعون.
سنتناول في هذه المحاضرة التأصيل الشرعي لآية الزلزال، ونتأمل في دلالاتها العقدية، ونستخلص ما فيها من أحكام وآداب .
⚫ العنصر الأول: التأصيل العقدي للزلزال: بين ناموس الكون وقدرة الله
إن النظرة الإسلامية للكون وأحداثه تقوم على أصل عظيم، وهو أن الله -تعالى- هو خالق كل شيء، والمتصرف في كل شيء، وأن ما في الكون من سنن وقوانين إنما هي من خلقه وتقديره، تجري بأمره، ولا تخرج عن مشيئته. وفي هذا الإطار يأتي فهمنا لآية الزلزال.
● الأرض بين نعمة الاستقرار وآية الاضطراب
لقد امتن الله -تبارك وتعالى- على عباده بنعمة عظيمة غفل عنها كثير من الناس، وهي نعمة استقرار الأرض وسكونها. فالأرض في أصل خلقتها مهاد وفراش، جعلها الله ذلولاً للسعي والأعمال، ومستقرًا للحيوان والنبات. تأمل معي قول الله -تبارك وتعالى- وهو يعدد نعمه:
ويزيد الأمر وضوحًا ببيان الحكمة من إرساء الجبال، كما في قوله تعالى: ﴿وَأَلۡقَىٰ فِي ٱلۡأَرۡضِ رَوَاسِيَ أَن تَمِيدَ بِكُمۡ﴾ [النحل: 15]. أي لئلا تضطرب وتميل بكم. ويقول أيضًا: ﴿وَجَعَلۡنَا فِي ٱلۡأَرۡضِ رَوَٰسِيَ أَن تَمِيدَ بِهِمۡ﴾ [الأنبياء: 31].
في هذه الآيات البينات يتبين لنا أن أصل الأرض هو السكون والاستقرار، وهو نعمة إلهية كبرى تستوجب الشكر. يقول الإمام ابن القيم -رحمه الله- في بيان بديع لهذه النعمة، رابطًا بين سكون الأرض وحياة الإنسان: "وتأمل خلق الأرض على ما هي عليه حين خلقها واقفة ساكنة؛ لتكون مهادًا ومستقرًا للحيوان والنبات والأمتعة، ويتمكن الحيوان والناس من السعي عليها في مآربهم، ولو كانت رجراجة متكفئة لم يستطيعوا على ظهرها قراراً، ولا ثبت لهم عليها بناء، ولا أمكنهم عليها صناعة ولا تجارة ولا حراثة ولا مصلحة، وكيف كانوا يتهنون بالعيش والأرض ترتج من تحتهم؟ واعتبِر ذلك بما يصيبهم من الزلازل -على قلة مكثها- كيف تصيِّرهم إلى ترك منازلهم والهرب عنها!”. <مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة، ابن قيم الجوزية، 1 / 199، طبعة دار الكتب العلمية>.
فالزلزال، بهذا المفهوم، هو خرق مؤقت لهذا القانون الإلهي العام، واستثناء من ناموس الاستقرار، يأتي بإذن الله؛ ليُذكّر الغافلين، ويُخوّف المعرضين، ويُنبّه العباد أن هذا الاستقرار ليس ذاتيًا للأرض، بل هو إمساك من الله وتدبير، ولو شاء لجعلها دائمة الاضطراب.
• أسباب الزلازل: تآلف الأسباب المادية والقدرة الإلهية
قد يُثار سؤال عن العلاقة بين الأسباب المادية للزلازل -التي اكتشفها العلم الحديث من حركة الصفائح التكونية وانضغاط الأبخرة في جوف الأرض- وبين كونها آية من آيات الله. والجواب من منظور إسلامي متكامل أن الله -تعالى- هو خالق الأسباب ومسبباتها، وهو الذي أودع في الأرض هذه القوانين والسنن، ثم هو الذي يأذن لها بالعمل في الوقت الذي يشاء، بالقدر الذي يريد، في المكان الذي يختار، لتحقيق حكمته البالغة.
وهذا الفهم نجده متقررًا لدى علمائنا الأوائل. فهذا الإمام ابن تيمية -رحمه الله- لما سئل عن أسباب الزلازل، أجاب جوابًا جامعًا بين السبب المادي والحكمة الإلهية، فقال: "الزلازل من الآيات التي يخوف الله بها عباده كما يخوفهم بالكسوف وغيره من الآيات والحوادث، لها أسباب وحكم، فكونها آية يخوف الله بها عباده هي من حكمه في ذلك.
وأما أسبابه؛ فمن أسبابه انضغاط البخار في جوف الأرض كما ينضغط الريح والماء في المكان الضيق، فإذا انضغط طلب مخرجا؛ فيَشُقُ ويُزلزل ما قرب منه من الأرض”. <مجموع الفتاوى، ابن تيمية، 14 / 296>.
ويقول ابن القيم -رحمه الله- مؤكدًا هذا المعنى: "ولما كانت الرياح تجول فيها (أي في الأرض) وتدخل في تجاويفها, وتُحدث فيها الأبخرة, وتخفق الرياح, ويتعذر عليها الـمَنفذ, أذن الله -سبحانه- لها في بعض الأحيان بالتنفس, فتحدث فيها الزلازل العظام, فيحدث من ذلك لعباده الخوف والخشية والإنابة والإقلاع عن معاصيه والتضرع إليه والندم”. <مفتاح دار السعادة، 1 / 199>.
وهكذا يتسق العلم مع الإيمان، فلا تناقض بينهما. فالوصف الفيزيائي للزلزال هو صورة الأسباب، والإذن الإلهي هو حقيقة التدبير. مهما توقع علماء الأرض وخططوا ودرسوا، فإن أجل الله إذا جاء لا يؤخر، ومهما حذروا، فإن الله يأتي بالزلزال بغتة دون أن يشعروا، ولو تنبؤوا وعلموا بوقته وموضعه ما استطاعوا دفعه وإيقافه، فتبارك الله رب العالمين. وهذا من تمام الإيمان بقدرة الله القاهرة ومشيئته النافذة.
لا يقع في ملك الله شيء عبثًا، بل كل فعل من أفعاله -سبحانه- محفوف بالحكم البالغة، والغايات السامية. والزلازل التي تصيب البشر ليست استثناء من هذه القاعدة، بل هي آيات تحمل في طياتها رسائل ربانية متعددة. ويمكن إجمال أهم هذه الحكم فيما يلي:
هذه هي الحكمة المركزية والأساس، كما نص عليه القرآن الكريم: ﴿وَمَا نُرۡسِلُ بِٱلۡأٓيَٰتِ إِلَّا تَخۡوِيفٗا ٥٩﴾ [الإسراء: 59].
إن الإنسان إذا رأى الأرض الصلبة المستقرة تهتز من تحت قدميه، وتتحول إلى قاتل محتمل، أصابه من الرعب والفزع ما لا يملك معه إلا الفرار، فتتجرد نفسه من كل تعلقاتها المادية، وتُقبِل على الله وحده.
يقول الحافظ ابن حجر العسقلاني -رحمه الله-: "لما كان هبوب الريح الشديدة يوجب التخويف, المفضي إلى الخشوع والإنابة, كانت الزلزلة ونحوها من الآيات أولى بذلك”. <فتح الباري، ابن حجر العسقلاني، 2 / 534، طبعة دار المعرفة>.
وهذا التخويف ليس مقصودًا لذاته، بل لِيُفضي إلى غاية أعظم وهي الخشية من الله، والإنابة إليه، والإقلاع عن الذنوب. إنه إنذار لطيف من رب رحيم، يخوّف عباده ليحفظهم من عذاب أشد، ويستنقذهم من غفلتهم.
● الحكمة الثانية: تذكير الإنسان بضعفه وعظمة خالقه .
في زحمة الحياة، وانغماس الناس في معترك الأسباب، قد يغتر الإنسان بقوته، أو بتحصنه في أبراجه ومبانيه الشاهقة. يأتي الزلزال ليكشف هذا الوهم، وليُري الإنسان حقيقة ضعفه وهوانه أمام جبروت الله. فكل تدابيره الواقية، وكل تقدمه التكنولوجي، يعجز عن إسكات الأرض إذا أمرها ربها أن تضطرب. إنها رسالة واضحة: القوة لله جميعًا، والعزة لله ولرسوله وللمؤمنين، وأما الإنسان فمهما طغى وتجبر، فإنه لا يملك لنفسه نفعًا ولا ضرًا، ولا موتًا ولا حياة ولا نشورًا.
إن التاريخ البشري حافل بقصص أقوام طغوا وأفسدوا، فكانت الزلزلة والرجفة هي نهايتهم المحتومة، وعذابهم الدنيوي قبل عذاب الآخرة. وهذا يبين أن الزلزال قد يكون عقابًا إلهيًا يُنزله الله على من شاء من عباده بسبب ذنوبهم. يقول الله -تعالى- عن قوم شعيب -عليه السلام-: ﴿فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَتۡهُمُ ٱلرَّجۡفَةُ فَأَصۡبَحُواْ فِي دَارِهِمۡ جَٰثِمِينَ ٣٧﴾ [العنكبوت: 37].
ويقول عن قوم صالح -عليه السلام-: ﴿فَأَخَذَتۡهُمُ ٱلرَّجۡفَةُ فَأَصۡبَحُواْ فِي دَارِهِمۡ جَٰثِمِينَ ٧٨﴾ [الأعراف: 78].
فهذه النصوص تدل بوضوح أن الزلزال كان أداة للهلاك والعقاب على التكذيب والعناد.
وليس هذا خاصًا بالأمم السابقة، بل هو سنن إلهية جارية. قال تعالى: ﴿ظَهَرَ ٱلۡفَسَادُ فِي ٱلۡبَرِّ وَٱلۡبَحۡرِ بِمَا كَسَبَتۡ أَيۡدِي ٱلنَّاسِ لِيُذِيقَهُم بَعۡضَ ٱلَّذِي عَمِلُواْ لَعَلَّهُمۡ يَرۡجِعُونَ ٤١﴾ [الروم: 41].
لقد أدرك السلف الصالح هذه الحقيقة جيدًا، فكانوا يعتبرون الزلازل إنذارًا على ذنوب أحدثوها.
فعن صفية بنت أبي عبيد قالت: "زُلزلت الأرض على عهد عمر حتى اصطفقت السُرر، فخطب عمر الناس فقال: (أحدثتم، لقد عجلتم، لئن عادت لأخرجن من بين أظهركم)”.
وفي رواية قال: "ما كانت هذه الزلزلة إلا عند شيء أحدثتموه، والذي نفسي بيده إن عادت لا أساكنكم فيها أبدًا”. <رواه ابن أبي شيبة في المصنف، 2 / 357، رقم: 8344>.
● الحكمة الرابعة: ابتلاء ورفعة للمؤمنين الصابرين
الزلازل ليست دائمًا دليل سخط، بل قد تكون للمؤمن ابتلاءً يرفع الله به درجاته، ويكفر به سيئاته. فكم من زلزال ابتُلي به قوم مؤمنون، فصبروا واحتسبوا، فكانت العاقبة لهم خيرًا. وهذا المعنى تؤكده الأحاديث النبوية، كما قال النبي ﷺ: «أُمّتِي هَذِهِ أُمَّةٌ مَرحُومَةٌ، لَيسَ عَلَيهَا عَذَابٌ فِي الآخِرَةِ، عَذَابُهَا فِي الدُّنيَا: الفِتَنُ، وَالزَّلَازِلُ، وَالقَتلُ». <رواه أبو داود في سننه، كتاب الفتن، رقم: 4278، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود، رقم: 3590>.
فالمصائب في الدنيا للمؤمن -ومنها الزلازل- إنما هي رحمة به، وتطهير له، وتكفير لذنوبه، حتى يلقى الله طاهرًا نقيًا. وقد قال ﷺ: «عَجَبًا لِأَمْرِ الْمُؤْمِنِ، إِنَّ أَمْرَهُ كُلَّهُ خَيْرٌ، وَلَيْسَ ذَاكَ لِأَحَدٍ إِلَّا لِلْمُؤْمِنِ، إِنْ أَصَابَتْهُ سَرَّاءُ شَكَرَ فَكَانَ خَيْرًا لَهُ، وَإِنْ أَصَابَتْهُ ضَرَّاءُ صَبَرَ فَكَانَ خَيْرًا لَهُ». <رواه مسلم في صحيحه، كتاب الزهد والرقائق، رقم: 2999>.
● الحكمة الخامسة: التذكير بزلزلة الساعة الكبرى
الزلازل الدنيوية -على هولها- لا تعدو أن تكون أنموذجًا مصغرًا، وجرس إنذار يُذكر بذلكم الحدث الكوني الأعظم: زلزلة يوم القيامة. إنها الصورة المكبرة التي تذهل أمامها العقول، وتتصاغر دونها كل أهوال الدنيا. يقارن المتأمل بين هزة أرضية استمرت دقائق أو ثوانٍ، فأحدثت من الفزع والدمار ما أحدثت، فكيف بزلزلة تطوي الأرض والجبال؟!
يقول ربنا -تبارك وتعالى- في مطلع سورة الحج، وهو مطلع عنيف مرعب، يهز القلوب هزًا: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱتَّقُواْ رَبَّكُمۡۚ إِنَّ زَلۡزَلَةَ ٱلسَّاعَةِ شَيۡءٌ عَظِيمٞ ١ يَوۡمَ تَرَوۡنَهَا تَذۡهَلُ كُلُّ مُرۡضِعَةٍ عَمَّآ أَرۡضَعَتۡ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمۡلٍ حَمۡلَهَا وَتَرَى ٱلنَّاسَ سُكَٰرَىٰ وَمَا هُم بِسُكَٰرَىٰ وَلَٰكِنَّ عَذَابَ ٱللَّهِ شَدِيدٞ ٢﴾ [الحج: 1-2].
ويقول تعالى: ﴿إِذَا زُلۡزِلَتِ ٱلۡأَرۡضُ زِلۡزَالَهَا ١ وَأَخۡرَجَتِ ٱلۡأَرۡضُ أَثۡقَالَهَا ٢ وَقَالَ ٱلۡإِنسَٰنُ مَا لَهَا ٣﴾ [الزلزلة: 1-3]. إن الإنسان في هذا الموقف العظيم يستنكر ويستغرب ما يحدث للأرض التي عهدها مستقرة، فيأتي الجواب: ﴿يَوۡمَئِذٖ تُحَدِّثُ أَخۡبَارَهَا ٤ بِأَنَّ رَبَّكَ أَوۡحَىٰ لَهَا ٥﴾ [الزلزلة: 4-5]. إنه الوحي الإلهي العظيم الذي يجعل الأرض تخرج ما في بطنها، وتتحدث بما عُمل عليها، بإذن ربها.
فشتان بين هزة الدنيا التي تدوم ثوانٍ، وهزة القيامة التي يراها الناس سكارى من هولها! وشتان بين من يفر من هزة الدنيا إلى الشارع، ومن لا مفر له يوم القيامة إلا إلى ربه!
● الحكمة السادسة: الزلازل من علامات الساعة الصغرى
لا تقتصر دلالات الزلازل على التذكير بيوم القيامة فحسب، بل إن كثرتها وتتابعها نفسها علامة من علامات الساعة الصغرى، التي أخبر بها النبي الأمين ﷺ، ودل عليها الواقع الذي نعيشه. روى البخاري عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -رضي الله عنه- قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: "لا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يُقْبَضَ الْعِلْمُ، وَتَكْثُرَ الزَّلَازِلُ، وَيَتَقَارَبَ الزَّمَانُ، وَتَظْهَرَ الْفِتَنُ، وَيَكْثُرَ الْهَرْجُ، وَهُوَ الْقَتْلُ الْقَتْلُ، حَتَّى يَكْثُرَ فِيكُمْ الْمَالُ فَيَفِيضَ”. <رواه البخاري في صحيحه، كتاب الفتن، باب: "لا تقوم الساعة حتى يقبض العلم”، رقم: 7121>.
ويؤكد الحافظ ابن حجر العسقلاني -رحمه الله- على أن المقصود بكثرة الزلازل ليس مجرد حدوثها، بل "وقَدْ وَقَعَ فِي كَثِير مِنْ الْبِلَاد الشّمَالِيَّة وَالشَّرْقِيَّة وَالْغَرْبِيَّة كَثِير مِنْ الزَّلَازِل, وَلَكِنَّ الَّذِي يَظْهَر أَنَّ الْمُرَاد بِكَثْرَتِهَا شُمُولها وَدَوَامها”. <فتح الباري، ابن حجر، 11 / 388>.
وهذا ما تشير إليه الإحصاءات العلمية الحديثة، حيث يقع في الأرض سنويًا مئات الآلاف من الهزات الأرضية، متفاوتة القوة. وهذا يصدق قول النبي ﷺ: «لا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى تَكْثُرَ الزَّلَازِلُ». وروى الإمام أحمد بسند صحيح عن سلمة بن نفيل قال: "كنا جلوسا عند النبي صلى الله عليه وسلم… فقال: «… وبين يدي الساعة… سنون الزلازل»”. <رواه أحمد في مسنده، 4 / 104، رقم: 16977، وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة، رقم: 1878>.
إذا تقرر لدينا أن الزلزال آية من آيات الله، فإن هذا يستوجب على المسلم جملة من الواجبات العملية والإيمانية، التي ينبغي أن يبادر إليها، بدلًا من الفزع إلى وسائل الإعلام، أو الانسياق وراء الإشاعات والأراجيف.
● أولًا: المبادرة إلى التوبة والاستغفار
هذا هو الواجب الأعظم، وهو الفرار من الله إليه. إن في الزلزال تنبيهًا عمليًا على تقصير العباد، ودعوة صريحة إلى الرجوع عن الذنوب والمعاصي، التي هي السبب الأكبر في حلول المصائب والابتلاءات. فباب التوبة مفتوح، وربنا يستعتبنا، أي يطلب منا أن نقدم له العتابى والرجوع. قال تعالى: ﴿فَلَوۡلَآ إِذۡ جَآءَهُم بَأۡسُنَا تَضَرَّعُواْ﴾ [الأنعام: 43].
ولما رجفت الأرض بالكوفة، قام فيهم عبد الله بن مسعود -رضي الله عنه- خطيبًا، فقال: "أيها الناس، إن ربكم يستعتبكم، فاعتبوه” (أي توبوا إليه وارجعوا). وهذا الفهم هو ما سار عليه الرعيل الأول من سلفنا الصالح. فعن صفية بنت أبي عبيد -رضاها- أنها قالت: "زُلزِلَت الأرضُ على عهد عُمر حتى اصطفَقَت السُّرُر، فخطبَ عُمرُ الناسَ فقال: "أحدَثتُم، لقد عجَّلتُم، لئن عادَت لأخرُجنَّ من بين أظهُركم””. <رواه ابن أبي شيبة، المصنف، 2 / 357>.
وفي أثر آخر عن عمر بن عبد العزيز -رحمه الله- أنه كتب إلى الأمصار بعد وقوع رجفة: "إن هذه الرجفة شيء يعاتب الله به عباده، فمن استطاع أن يتصدق فليفعل؛ فإن الله يقول: (قَدۡ أَفۡلَحَ مَن تَزَكَّىٰ ١٤) [الأعلى]”.
● ثانيًا: الالتجاء إلى الله بالدعاء والذكر
إن أول ما يخطر ببال المؤمن عند هول الزلزال هو الذكر والدعاء، فبذكر الله تطمئن القلوب، وبالدعاء تُستدفع البلايا. والنبي ﷺ علمنا أن النجاة والفزع عند الآيات إنما يكون إلى الله، ففي الحديث المتفق عليه عن عائشة -رضي الله عنها- أن النبي ﷺ قال في شأن الكسوف: «إِنَّ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ آيَتَانِ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ، لَا يَخْسِفَانِ لِمَوْتِ أَحَدٍ وَلَا لِحَيَاتِهِ، فَإِذَا رَأَيْتُمْ ذَلِكَ، فَادْعُوا اللَّهَ، وَكَبِّرُوا، وَصَلُّوا، وَتَصَدَّقُوا». <رواه البخاري (1044) ومسلم (901) واللفظ للبخاري>.
وقد ألحق كثير من العلماء الزلازل بالكسوف في هذا الحكم، لأن العلة واحدة، وهي كونها آية تخويف. لذا؛ يُشرع للمسلم وقت الزلزال أن يكثر من قول: "اللهم رحمتك نرجو، فلا تكلنا إلى أنفسنا طرفة عين، وأصلح لنا شأننا كله، لا إله إلا أنت”، وأن يقول: "اللهم سلم سلم”. قال النووي -رحمه الله-: "ويُستحب عند حصول الزلزلة ونحوها من الآيات: الدعاء، والتضرع، والصدقة… ويُستحب أن يُفزع إلى الله تعالى”. <المجموع شرح المهذب، النووي، 5 / 78>.
● ثالثًا: الصلاة والصدقة ▪️ هل تشرع صلاة خاصة للزلزال؟
هذه المسألة من المسائل الفقهية التي وقع فيها نقاش بين العلماء. وبيانها كالتالي:
• الاتجاه الأول: ذهب جمهور العلماء من الشافعية والمالكية والحنابلة إلى أنه لا تشرع صلاة جماعة مخصوصة للزلزال، بخلاف الكسوف والخسوف، وذلك لعدم ورود دليل صريح خاص بذلك عن النبي ﷺ. لكنهم استحبوا أن يصلي الناس فرادى، أو أن يفزعوا إلى الصلاة مطلقًا دون تعيين هيئة معينة.
قال ابن قدامة -رحمه الله-: "وليس للزلزلة صلاة جماعة؛ لأنه لم ينقل عن النبي صلى الله عليه وسلم، ولا عن أصحابه”. <المغني، ابن قدامة، 2 / 348>.
• الاتجاه الثاني: ذهب بعض العلماء، وهو رواية عن الإمام أحمد واختارها طائفة من المحققين منهم الإمام ابن تيمية، إلى مشروعية صلاة الكسوف للزلزال، قياسًا على الكسوف، لأن العلة الجامعة بينهما هي كونهما آيتين من آيات الله للتخويف.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "وأما الزلزلة: فالصلاة فيها كالصلاة في الكسوف؛ لأنها آية من آيات الله، وقد أمر النبي ﷺ بالصلاة عند الكسوف، فكذلك الزلزلة”. <الاختيارات الفقهية، البعلي، ص 118>.
• الراجح والمختار: أنه لا تشرع صلاة جماعة مخصوصة للزلزال. "والواجب عند الزلازل وغيرها من الآيات والكسوف والرياح الشديدة والفيضانات؛ البِدار بالتوبة إلى الله سبحانه، والضراعة إليه، وسؤاله العافية، والإكثار من ذكره واستغفاره، كما قال ﷺ عند الكسوف: "فإذا رأيتم ذلك، فافزعوا إلى ذكر الله ودعائه واستغفاره”. <مجموع فتاوى ابن باز، 13 / 97>. ولم يُنقل عنه ولا عن غيره من المحققين أنه كان يصلي للزلزال صلاة جماعة كالكسوف.
▪️ أما الصدقة، فهي مستحبة ومطلوبة بكل حال، وتتأكد عند النوازل، لما لها من أثر في دفع البلاء. قال ﷺ: «إِنَّ الصَّدَقَةَ لَتُطْفِئُ غَضَبَ الرَّبِّ، وَتَدْفَعُ مِيتَةَ السُّوءِ». <رواه الترمذي (664) وحسنه الألباني>.
وقد قال عمر بن عبد العزيز -رحمه الله- كما مر معنا: "فمن استطاع أن يتصدق فليفعل”. وليس في السنة دعاء مخصوص مقيد للزلزال، بل يدعو المسلم بما شاء من جوامع الدعاء، فيسأل الله العفو والعافية والسلامة.
● رابعًا: وجوب مد يد العون والإغاثة للمتضررين
إذا كان الزلزال في بلد آخر، فإن الواجب يتعاظم على الأمة الإسلامية، إزاء مصاب إخوانهم. فالمؤمنون في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد الواحد، إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى.
إن إغاثة الملهوف، وإنقاذ المحصور، ومداواة الكسير، ومواساة الحزين، وتأمين الخائف؛ كل ذلك من أوجب الواجبات وأعظم القربات. نسأل الله أن يفرج عن إخواننا، وأن يلهمهم الصبر والسلوان.
⚫ العنصر الرابع: خطورة الزلازل المعنوية: هدم الدين قبل هدم الدور
بعد هذا البيان لأحكام الزلازل الحسية، يجدر بنا أن نقف وقفة تأمل أمام نوع آخر من الزلازل، لا يقل خطرًا عن الزلازل الحسية، بل هو أشد وأعظم خطرًا، ألا وهي الزلازل المعنوية التي تضرب ثوابت الدين والعقيدة والأخلاق.
فكما أن هناك عوامل مادية تؤدي إلى زلزلة الأرض وتدمير المباني، فهناك عوامل معنوية تؤدي إلى زلزلة القلوب وتدمير الإيمان.
• الزلزال الحسي يُذهل الوالدة عن وليدها ساعة، والمعنوي يُذهل العبد عن ربه العمر كله.
إن الزلازل التي تهز العقائد، وتضطرب لها الثوابت، وتتأثر بها المُسلّمات، هي في الحقيقة أخطر وأشد. فالزلزال الحسي يشعر به كل أحد، أما الزلزال المعنوي فلا يشعر به غالبًا إلا من رحم الله.
وبينما تكون خسارة الزلزال الحسي في الدنيا، فإن خسارة الزلزال المعنوي تكون في الآخرة، حيث الخسران المبين.
لقد صور القرآن الكريم حال المنافقين وأهل الشبهات والشهوات بأنهم في حيرة وزلزلة دائمة، فقال سبحانه عن المنافقين: ﴿يَحۡذَرُ ٱلۡمُنَٰفِقُونَ أَن تُنَزَّلَ عَلَيۡهِمۡ سُورَةٞ تُنَبِّئُهُم بِمَا فِي قُلُوبِهِمۡۚ قُلِ ٱسۡتَهۡزِءُوٓاْ إِنَّ ٱللَّهَ مُخۡرِجٞ مَّا تَحۡذَرُونَ ٦٤﴾ [التوبة: 64].
وقال عن الذين في قلوبهم مرض: ﴿فَتَرَى ٱلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٞ يُسَٰرِعُونَ فِيهِمۡ يَقُولُونَ نَخۡشَىٰٓ أَن تُصِيبَنَا دَآئِرَةٞۚ﴾ [المائدة: 52]. فقلوبهم في اضطراب دائم، لا تستقر على يقين، ولا تثبت على إيمان.
وإن من أعظم أسباب هذه الزلازل المعنوية في عصرنا: الانفتاح الإعلامي غير المنضبط، والشبهات الفكرية التي تُبث عبر الشبكات، والتغريب الثقافي، والانسلاخ من الهوية، واتباع الشهوات الذي يُعمي القلوب ويُصم الآذان عن سماع الحق. والواجب على المسلم أن يفر إلى الله من هذه الزلازل كما يفر من الزلازل الحسية، بل أشد، وأن يُحصّن قلبه بالعلم النافع والعمل الصالح، وبملازمة الكتاب والسنة، ومجالسة الصالحين، والبعد عن مواطن الفتن والشبهات. نسأل الله الثبات على دينه حتى نلقاه.
إن الناظر بعين البصيرة في آية الزلزال، لَيدرك عظمة الخالق، ويعلم حقيقة نفسه الضعيفة.
لقد كانت هذه الآية ولا تزال، تذكرة للمذنب، وموعظة للغافل، وابتلاء للمؤمن، وتصديقًا لوعد الله الصادق باقتراب الساعة. فلنجعل من هذه الآيات محطات للتزود والتأمل، لا للإشاعة والغفلة. ولنفر إلى الله بالتوبة النصوح، والعمل الصالح، والإحسان إلى الخلق، عسى ربنا أن يصرف عنا البلاء، ويرفع عنا الغمة، ويحفظنا من كل سوء ومكروه.
ها قد طفنا معًا – أيها الأخيار – في رحاب آيةٍ من آيات الله الباهرة، وجلنا في مرابع العبرة والعظة من زلازل الأرض، فرأينا فيها المنظار الصادق الذي يُري العبدَ حقيقةَ نفسه، وحقيقةَ ربه.
لقد وقفنا على معنى أن تكون الأرض مهادًا وفراشًا بنعمة الله، ثم كيف تصبح – بإذنه – آيةً من آيات التخويف والإنذار.
وتدبرنا كيف تتآلف الأسباب الكونية مع الإرادة الإلهية، فلا تناقض بين ناموس مسطور ووحي منظور، بل كلٌ من عند الله، يصرِّف أمره كيف يشاء، وهو العليم الحكيم.
لقد رأينا كيف تتنزل حِكَم الله على عباده من خلال هذه الهزات، فكانت تارةً إنذارًا للغافلين، وتارةً عقابًا للظالمين، وتارةً ابتلاءً ورفعةً للصابرين، وكانت في كل أحوالها جرسَ إنذارٍ يُذكِّر بيوم القيامة، يوم الزلزلة الكبرى التي تذهل فيها العقول، وتضع كل ذات حمل حملها. وما فتئت هذه الزلازل علامةً من علامات الساعة، يُصدِّق وقوعُها ما أخبر به النبي الأمين ﷺ، لتظل القلوب على وجل، والعيون على يقظة.
ولم نقف عند حدود الوعظ النظري، بل جاوزناه إلى فقه العمل والاستجابة، فتعلمنا أن أول الواجب وأعظمه عند هذه الآيات، هو الفرار إلى الله بالتوبة والاستغفار، والإقبال عليه بالدعاء والضراعة، والتقرب إليه بالصدقات، ومد يد العون للمنكوبين. وتنبهنا – وهو الأهم – إلى خطب جلل، وبلاء أعظم؛ ألا وهو زلازل الشبهات والشهوات التي تعصف بقلوب الأحياء، فتهدم إيمانهم، وتطيح بأخلاقهم، وهم عنها غافلون لاهون.
فيا عباد الله، هبّوا من رقدتكم، وانتبهوا من غفلتكم قبل أن تداهمكم زلازل الدنيا أو زلزلة الآخرة.
اجعلوا من هذه الآيات مادةً للتفكر، لا للإشاعة والجدل. واجعلوا من هزات الأرض هزاتٍ لقلوبكم، توقظها من سباتها، وتُنيبها إلى ربها، وتُصلح ما فسد من أعمالها.
استمسكوا بدينكم، وحصّنوا قلوبكم، وثبّتوا أقدامكم على الصراط المستقيم، قبل أن يأتي يوم لا مرد له من الله، وما لكم من دونه من ولي ولا واق.
اللهم إنا نعوذ بك من الزلازل والمحن، وسوء الفتن، ما ظهر منها وما بطن.
اللهم احفظ بلادنا وسائر بلاد المسلمين من كل سوء ومكروه.
اللهم من أراد بنا أو بديننا أو بأمتنا سوءًا فاشغله بنفسه، واجعل كيده في نحره.
اللهم ثبتنا على دينك، واجعلنا من الذاكرين الشاكرين في السراء والضراء.
اللهم يا من له الخلق والأمر، ويا من بيده ملكوت كل شيء، ويا من إذا أراد شيئًا فإنما يقول له كن فيكون، نسألك بعزك الذي لا يُرام، وبملكك الذي لا يضام، وبنور وجهك الذي أشرقت له الظلمات، أن ترفع عنا وعن بلادنا وعن سائر بلاد المسلمين الغلاء والوباء، والفتن والزلازل والمحن، وسوء الفتن ما ظهر منها وما بطن.
اللهم يا خالق الأرض بقدرتك، ومُرسيها بجبالك، وجاعلها قرارًا ومهادًا برحمتك، نسألك أن تُثبّتها من تحت أقدامنا، وأن تجعلها سكنًا وأمنًا وإيمانًا وسلامةً وإسلامًا.
اللهم احفظنا من الخسف والمسخ والقذف، وقِنَا عذابك، واصرف عنا بأسك، ولا تُهلكنا بما فعل السفهاء منا.
اللهم إنك ترى حال عبادك المنكوبين، وتسمع أنين المكلومين، وتعلم حاجة المشردين، فكن لهم يا أرحم الراحمين.
اللهم ارحم موتاهم، واشف مرضاهم، واربط على قلوبهم، وأبدل خوفهم أمناً، وحزنهم فرحاً، وفقرهم غنىً، إنك على كل شيء قدير.
اللهم إن هذه الزلازل من آياتك التي تُخوّف بها عبادك، فاجعلها رحمةً بنا لا عذابًا، وموعظةً لنا لا سخطًا، وارزقنا فيها الإنابة إليك، والرجوع إلى بابك، والإقلاع عن معاصيك. اللهم أعتبنا من أنفسنا، وتجاوز عن سيئاتنا، وتُب علينا، إنك أنت التواب الرحيم.
اللهم لا تكلنا إلى أنفسنا طرفة عين، ولا إلى أحد من خلقك، وأصلح لنا شأننا كله، ولا تجعلنا فتنةً للقوم الظالمين.
اللهم ثبت قلوبنا على دينك، ولا تُزغها بعد إذ هديتنا، وهب لنا من لدنك رحمة، إنك أنت الوهاب. اللهم احفظنا من زلازل الشبهات، وفتن الشهوات، وأعذنا من مُضِلات الفتن، ما ظهر منها وما بطن. اللهم أرنا الحق حقًا وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه. واجعل خير أعمالنا خواتيمها، وخير أيامنا يوم نلقاك.
اللهم يا قوي يا عزيز، نعوذ بعظمتك أن نُغتال من تحتنا، ونعوذ بك من زلزلة الأرض، ومن شر ما يخرج منها، ومن شر فتنة المحيا والممات. اللهم اجعل هذه الآيات تذكرةً للأوابين، وعبرةً للمتقين، وإنابةً