شهدت قواعد الاشتباك الإقليمية خلال المرحلة الأخيرة منعطفاً بالغ الحساسية، تمثل في العمليات العسكرية التي استهدفت مقرات لفصائل مسلحة في العراق التي نُفذت فجر الأربعاء (29 يوليو/تموز 2026) ضربات جوية مشتركة استهدفت مقرات ومستودعات أسلحة ومواقع لوجستية تابعة لفصائل مسلحة في عدة محافظات عراقية (منها بغداد، واسط، نينوى، البصرة، كركوك، كربلاء، وديالى). وبحسب التقارير الميدانية والصادرة عن هيئة الحشد الشعبي، أسفرت هذه الغارات كحصيلة أولية عن مقتل نحو 20 عنصراً وإصابة 32 آخرين، بينما ترجح تقارير استخباراتية غربية (نقلتها صحف مثل نيويورك تايمز) مقتل عدد من المستشارين الفنيين وضباط الاتصال التابعين للحرس الثوري الإيراني جراء استهداف تلك المواقع، فضلاً عن إحداث أضرار مادية واسعة في البنى التحتية العسكرية.
وما أُشير إليه من تنسيق عملياتي بين الرياض وواشنطن. ولا تمثل هذه التطورات، بتقديري، مجرد رد فعل تكتيكي عابر، بقدر ما تعكس تحولاً تدريجياً في طريقة التعامل مع التهديدات العابرة للحدود التي تستهدف البنى التحتية للطاقة والاستقرار الاقتصادي الإقليمي.
فمنذ مارس ٢٠٢٦، واجهت السعودية سلسلة من الاعتداءات المباشرة من إيران ووكلائها، والتي تطورت لاحقاً واتخذت أشكالاً متعددة ضمن حرب الهجمات الهجينة؛ حيث صعّدت جماعة الحوثي من هجماتها جنوباً عبر استهداف الملاحة وناقلات النفط السعودية، بالتزامن مع تصاعد ملحوظ في وتيرة هجمات الفصائل المسلحة من الساحة العراقية باتجاه الأراضي السعودية.
في ظل هذه المعطيات التزمت الرياض بمسار طويل من ضبط النفس، مفضلةً الحلول السلمية، ودبلوماسية تبريد الأزمات، وتجنب أي انخراط في عمل عسكري مباشر، معتمدةً على الإجراءات القانونية والدبلوماسية، ومراهنةً على دور الحكومة العراقية في كبح تلك الهجمات ومنع استخدام أراضيها منصة للاستنزاف.
غير أن مسار الأحداث أثبت أن الرهان على قدرة الحكومة العراقية وحدها لم يعد كافياً ولا مضمون النتائج؛ فالتطورات الميدانية لا تُدار كشأن محلي عراقي داخلي، بل هي جزء من شبكة إقليمية أوسع تديرها طهران وتمتد ارتباطاتها عبر غرف عمليات مشتركة تضم الحوثيين في اليمن، والفصائل في العراق، وجهات أخرى في الإقليم. هذا التشابك جعل استمرار سياسة الاحتواء والصمت تُفسر خطأً في حسابات الخصوم على أنه ضعف أو عجز هيكلي عن الدفاع عن النفس وتأمين المصالح الحيوية.
نتيجة لتراكم هذه الاعتداءات واستمرارها دون استجابة لإشارات التهدئة، وجدت الرياض نفسها أمام واقع يحتم الرد المباشر لتبديد أي انطباع بالضعف. ومع ذلك لا يعني هذا التصعيد الانزلاق نحو حرب شاملة أو مواجهة إقليمية مفتوحة؛ فكلفة الفوضى العارمة باهظة على الجميع وتتعارض كلياً مع أولويات التنمية الشاملة واستراتيجيات الاستقرار التي ترجحها دول مجلس التعاون الخليجي.
إن الهدف الأرجح من هذه الضربات يتركز على توجيه رسالة حاسمة ومباشرة لطهران ووكلائها بأن دول المنطقة لم تكن عاجزة، بل كانت تتحلى بالحكمة وتتجنب التصعيد العسكري؛ وأن إعادة صياغة قواعد الاشتباك أصبحت ضرورة لفرض أثمان مباشرة على بنى الفصائل وقدراتها، بما يجبر طهران ووكلائها على إعادة حساباتهم وإيقاف مسلسل الاستنزاف المستمر.
في المقابل، يضع هذا التحول المشهد السياسي والعسكري في بغداد أمام مأزق معقد؛ فالحكومة العراقية محاصرة بين التزاماتها بحصر السلاح بيد الدولة، وبين واقع ميداني تفرضه تشكيلات مسلحة نافذة. وأما إعلان واشنطن عن وجود "تنسيق"، فيُرجح أنه لم يتجاوز إطار "الإبلاغ أو الإخطار الأمنـي المسبق" لفك الاشتباك، وليس تنسيقاً عسكرياً حقيقياً؛ إذ إن اعتراف الحكومة العراقية بتنسيق علني لضرب فصائل محلية يمثل انتحاراً سياسياً مباشرًا لأي حكومة تسعى لتجنب الصدام الداخلي، وهو ما يفسر النفي الرسمي القاطع.
من جهة أخرى، يوجد إجماع إقليمي ودولي على ضرورة ممارسة أقصى الضغط على الحكومة العراقية لنزع سلاح الفصائل او وقف هجماتها، خصوصاً مع تصاعد استهداف منشآت النفط الحيوية في أعقاب زيارة رئيس الوزراء العراقي الأخيرة لواشنطن.
ومع ذلك فإن هذه الضغوط لا تقضي بدفع بغداد نحو مواجهة انتحارية تفضي إلى حرب أهلية؛ فاستقرار العراق يُعد عامل استقرار رئيسياً لمنطقة الشرق الأوسط والعالم بأسره، وكلفة عدم استقاره باهظة ولا تتوقف عند حدوده بل تمس أمن الطاقة العالمي برمته. فإن الضغوط الممارسة لا تستهدف إسقاط الدولة أو تفجير الداخل العراقي، بل تهدف إلى إحداث ضغط سياسي وأمني مكثف يجبر النخب والفصائل على إدراك أن كلفة الوضع الراهن باتت باهظة للغاية عليهم، ودفعها نحو تطبيق سلطة القانون وحفظ استقرار البلاد قبل أن تخرج الأمور عن السيطرة.
بتقديري, تتجه الأمور نحو إعادة ضبط قاسية لقواعد الاشتباك دون الانزلاق إلى حرب إقليمية شاملة، حيث سيترسخ تدريجياً مسار الردع المتبادل بعد أن تُدرك طهران ووكلاؤها أن الهجمات الهجينة باتت تحمل كلفة ميدانية مباشرة وموجعة تعيق أي محاولات لاستمرار الاستنزاف بلا ثمن. وفي قلب هذا التحول، تواجه بغداد مأزقها الأكبر واختبارها الحقيقي، إذ ستجد الحكومة نفسها مجبرة تحت الضغوط الدولية والإقليمية المتصاعدة على محاولة احتواء الفصائل أو تقليص نفوذها الأمني، وإن كان ذلك بخطوات بالغة الحذر لتجنب الصدام الأهلي المباشر. ومع ذلك، لن تصل الأمور إلى تفكيك كامل للفصائل أو تفجير حرب أهلية داخلية، ولن يتحول الإقليم إلى مواجهة مفتوحة، نظراً للخطوط الحمراء الدولية الصارمة المرتبطة بأمن الطاقة واستقرار المنطقة؛ بل ستُدار الأزمات والصراعات عبر رسائل عسكرية دقيقة وضغط دبلوماسي مكثف تبقي الأوضاع محصورة في مرحلة حافة الهاوية إلى أن تتبلور تسوية إقليمية أوسع.