لم يعد السؤال اليوم: كم ساعة نقضيها أمام شاشات هواتفنا؟ بل أصبح السؤال الأهم: ماذا صنعت بنا هذه الشاشات؟
ففي زمنٍ أصبحت فيه مواقع التواصل الاجتماعي جزءاً من تفاصيل حياتنا اليومية، لم تعد مجرد وسيلة لنقل الأخبار أو التواصل مع الآخرين، بل تحولت إلى عالم موازٍ نعيش فيه جانباً كبيراً من تفاصيلنا، نعرض من خلاله أفكارنا، ونرسم فيه صورتنا أمام الآخرين، ونبحث أحياناً عن حضور قد لا نجده في واقعنا.
لقد منحتنا هذه المنصات فرصة لم تكن متاحة للأجيال السابقة؛ فأصبح الصوت الفردي قادراً على الوصول إلى آلاف الأشخاص، وأصبحت المعرفة أقرب، والخبر أسرع، والمسافات أقل تأثيراً. فمن خلالها ظهرت مبادرات إنسانية، وانتشرت حملات توعوية، ووجد أصحاب المواهب والأفكار طريقاً لإيصال رسالتهم، كما أصبحت مساحة مهمة للتعلم والعمل والتواصل.
لكن كل نعمة تحتاج إلى وعي يحسن استخدامها، فالأدوات التي صنعت لتقريب الإنسان قد تتحول أحياناً إلى سبب في ابتعاده عن محيطه. فأصبحنا نشاهد في بعض المجالس أشخاصاً يجلسون جسداً واحداً، لكن كل فرد منهم يعيش في عالمه الخاص خلف شاشة هاتفه، وكأن التكنولوجيا التي جمعت البعيدين أخذت جزءاً من دفء القريبين.
ومن المشاهد التي نعيشها اليوم في عالم التواصل، أن بعض الأفراد أصبحوا يبحثون عن الشهرة بأي ثمن، معتقدين أن عدد المتابعين والمشاهدات هو معيار النجاح والقيمة. فأصبح البعض يعرض تفاصيل من حياته الخاصة أو يقدم محتوى لا ينسجم أحياناً مع قيم المجتمع وعاداته وتقاليده، فقط من أجل لفت الانتباه وتحقيق انتشار سريع.
إن الشهرة ليست أمراً سلبياً بحد ذاتها، فهناك من وصل إليها من خلال العلم والإبداع وخدمة الناس، وهناك من استخدم منصته لنشر الفائدة وبناء الوعي. لكن المشكلة تبدأ عندما تصبح الشهرة هدفاً منفصلاً عن المعنى، وعندما يتحول البحث عن القبول إلى استعداد للتخلي عن الخصوصية أو المبادئ أو الصورة التي يحافظ عليها الإنسان في واقعه.
لقد أصبحنا أمام ظاهرة جديدة؛ إنسان يهتم أحياناً بالصورة التي يراها الآخرون عنه أكثر من اهتمامه بحقيقته، فيبني حياة رقمية قد تختلف عن حياته الفعلية، ويسعى إلى إثبات وجوده أمام جمهور افتراضي قد لا يعرفه حق المعرفة.
المشكلة ليست في مواقع التواصل نفسها، فالإنسان هو من يمنح الأشياء قيمتها واتجاهها؛ فقد تكون المنصة باباً للعلم والثقافة والتأثير الإيجابي، وقد تصبح مساحة للفوضى ونشر الشائعات والتأثير السلبي. فالكلمة التي نكتبها اليوم لا تبقى حبيسة الشاشة، بل قد تصل إلى عقول وقلوب لا نعرفها، وقد تترك أثراً لا يمكن التراجع عنه.
إن المعركة الحقيقية ليست مع التكنولوجيا، بل مع طريقة تعاملنا معها. فنحن لا نحتاج إلى رفض العالم الرقمي، بل نحتاج إلى وعي يجعلنا نستخدمه دون أن نفقد هويتنا، وأن نجعل منه وسيلة للتواصل لا بديلاً عن العلاقات الإنسانية، ومساحة للحوار لا ساحة للجدل، وأداة للبناء لا طريقاً للظهور المؤقت.
إن المجتمعات لا تتقدم بكثرة ما تملك من وسائل الاتصال، وإنما بقدرتها على استخدامها بطريقة تحفظ قيمها وإنسانيتها. فالتكنولوجيا تمنحنا الأدوات، لكن الوعي هو الذي يحدد الاتجاه.
وفي النهاية، تبقى مواقع التواصل الاجتماعي مرآة تعكس مستخدميها؛ فهي تكشف مستوى الوعي وطريقة التفكير واحترام الإنسان لنفسه ولغيره. فإن أحسنّا استخدامها كانت نعمة تفتح أبواب المعرفة والتطور، وإن فقدنا السيطرة عليها أصبحت نقمة تسرق الوقت وتشوّه المفاهيم.
فليست القضية أن نكون حاضرين على مواقع التواصل، بل أن يكون حضورنا فيها يحمل قيمة ومعنى؛ لأن الأثر الذي يبقى لا تصنعه الشهرة، بل تصنعه الكلمة الصادقة والعمل النافع.