في نهاية كل شهر تقريباً، يطل علينا خبير الطاقة هاشم عقل، ليحدثنا عن التسعيرة الشهرية للمشتقات النفطية، وغالباً ما تكون توقعاته مبنية على أسباب تنتهي دائماً إلى نتيجة واحدة: ارتفاع الأسعار.
مرةً لأن أسعار النفط العالمية ارتفعت، ومرةً بسبب توتر الأوضاع في المنطقة، وأخرى لاحتمال إغلاق مضيق هرمز، رغم أن النفط الذي يستورده الأردن لا يعبر ذلك المضيق أصلاً. حتى أصبح المواطن ينتظر إطلالته كما ينتظر نشرات الطقس في موسم العواصف، مدركاً أن القادم لن يحمل ما يبعث على الارتياح.
لكن هذه المرة، لم تستوقفني توقعاته للأسعار، بل عبارة قالها بدت أكثر إثارة للجدل من أي توقع اقتصادي، حين صرّح بأن "نفط الأردن هاجر.”
وهنا يبرز السؤال: هل يمكن للنفط أن يهاجر؟
إذا أخذنا العبارة على معناها الحرفي، فإنها لا تستقيم علمياً؛ فالمكامن النفطية لا تحمل حقائبها وتغادر الحدود، والهجرة ليست من خصائص الصخور الرسوبية ولا من سلوك الهيدروكربونات. فحركة النفط في باطن الأرض تحكمها قوانين الجيولوجيا والفيزياء والكيمياء، ولا تخضع للمفاهيم التي يستخدمها البشر في وصف انتقالهم من وطن إلى آخر.
لكن، إذا تجاوزنا ظاهر العبارة إلى معناها الرمزي، فإنني أجد نفسي متفقاً معها إلى حد بعيد.
لقد هاجر نفط الأردن الحقيقي.
ليس النفط الأسود، بل النفط الذي يفكر، ويبدع، ويبتكر، ويعالج، ويعلّم، ويبني.
هاجرت العقول التي أنفق الوطن على تعليمها سنوات طويلة، والكفاءات التي اكتسبت خبراتها في مؤسساته، ثم وجدت أن أوطاناً أخرى أكثر استعداداً لاحتضانها وتقديرها. فأصبح الطبيب الأردني يداوي في الخارج، والمهندس يبني مدناً في دول أخرى، والأستاذ الجامعي يرفع تصنيف جامعات لا تحمل اسم الأردن، والباحث يسجل براءات اختراع تُحسب لغير وطنه.
لقد تحولت الكفاءة الأردنية إلى سلعة مطلوبة في أسواق العالم، بينما بقيت في وطنها تبحث عن فرصة، أو تنتظر إنصافاً، أو تصطدم بعوائق لا علاقة لها بالكفاءة ولا بالإبداع.
والمؤلم أن العالم المتقدم لم يبنِ نهضته على ما في باطن الأرض، بل على ما في عقول البشر. فاليابان وسنغافورة وكوريا الجنوبية لم تكن دولاً نفطية، لكنها أدركت أن الإنسان هو المورد الذي لا ينضب، وأن الاستثمار في العقل أعظم من الاستثمار في الآبار.
أما نحن، فما زلنا نختلف حول وجود النفط في الأرض، بينما يغادرنا النفط الذي يمشي على قدمين.
والمفارقة أن الأردني، أينما حل، يثبت أنه قادر على المنافسة والتميز، مما يعني أن المشكلة لم تكن يوماً في الإنسان، بل في البيئة التي لم تستطع أن تمنحه ما يستحقه من فرصة وتقدير.
إن أخطر أنواع الاستنزاف ليس استنزاف الموارد الطبيعية، وإنما استنزاف الموارد البشرية. فالدولة تستطيع أن تستورد النفط، لكنها لا تستطيع أن تستورد الانتماء، ولا أن تشتري الخبرة الوطنية بعد أن تغادر.
ولذلك، فإن السؤال الحقيقي ليس: هل هاجر نفط الأردن؟
بل: ما الذي دفعه إلى الهجرة؟
وهل نراجع سياساتنا قبل أن يصبح تصدير الكفاءات هو القطاع الوحيد الذي يحقق فائضاً دائماً؟
إن الدول التي تفقد عقولها، تشبه حقول النفط التي جفّت آبارها؛ كلاهما يفقد مصدر قوته، غير أن النفط قد يُكتشف بديل له، أما العقل إذا رحل، فقد لا يعود إلا زائراً.
ولعل أبلغ ما يمكن أن نختم به هو أن الأردن لم يكن يوماً فقيراً بالموارد، بل كان غنياً بأبنائه. وإذا أردنا أن نعرف أين يوجد نفط الأردن الحقيقي، فلن نبحث عنه في طبقات الصخور، بل في المطارات التي غادر منها آلاف المبدعين، وفي الجامعات والمستشفيات والشركات حول العالم التي نجحوا فيها… بينما كان الأولى أن يكون نجاحهم هنا، على أرض وطنهم.