مقال استقصائي: هل المعركة بسبب الوجود الأمريكي فقط أم أن الأردن أصبح عائقًا أمام تمدد النفوذ الإيراني في المنطقة؟
بقلم : ماجد الشملان
لم يكن الأردن تاريخيًا طرفًا في الصراعات العسكرية الكبرى التي شهدها الشرق الأوسط، لكنه وجد نفسه خلال السنوات الأخيرة أمام تحديات أمنية متزايدة، مع تصاعد تهديدات صادرة عن فصائل عراقية مسلحة مرتبطة بإيران، وظهور مخاوف من انتقال أدوات الصراع الإقليمي إلى الأراضي الأردنية.
وفي الوقت الذي تركز فيه بعض التفسيرات على وجود قواعد ومنشآت عسكرية أمريكية في الأردن باعتباره السبب الرئيسي للاستهداف، تكشف قراءة المشهد الإقليمي أن القضية تتجاوز هذا العامل لتصل إلى حسابات أوسع تتعلق بالجغرافيا، والنفوذ، والحدود، ومستقبل التوازنات في المشرق العربي.
القواعد الأمريكية في الأردن… الهدف المعلن للهجمات
تعتبر الفصائل العراقية الموالية لإيران الوجود العسكري الأمريكي في المنطقة أحد أهدافها الرئيسية، ولذلك فإن أي دولة تستضيف تعاونًا عسكريًا أو لوجستيًا مع واشنطن تصبح ضمن دائرة خطابها السياسي والعسكري.
ويأتي الأردن في هذا السياق بسبب موقعه كشريك أمني للولايات المتحدة، ووجود برامج تعاون دفاعي تشمل التدريب وتبادل المعلومات والدعم اللوجستي.
وتبرز القواعد والمنشآت الجوية الأردنية، وعلى رأسها قاعدة موفق السلطي الجوية في الأزرق، كأحد المواقع ذات الأهمية الاستراتيجية، نظرًا لدورها في العمليات الجوية والتدريب والتعاون العسكري.
كما تمثل المؤسسات العسكرية الجوية، ومنها كلية الملك حسين الجوية، جزءًا من منظومة بناء القدرات الدفاعية الأردنية، ما يجعل أي تهديد لها يتجاوز فكرة استهداف وجود أجنبي ليصبح مساسًا بالبنية العسكرية الأردنية نفسها.
الطائرات المسيّرة والصواريخ… تغير شكل التهديد
لم تعد التهديدات الأمنية في المنطقة تعتمد فقط على المواجهات التقليدية، فقد أصبحت الطائرات المسيّرة والصواريخ بعيدة المدى أدوات رئيسية تستخدمها الجماعات المسلحة في توجيه الرسائل والضغط على الخصوم.
وقد شهد الإقليم خلال السنوات الماضية هجمات بطائرات مسيرة وصواريخ استهدفت مواقع أمريكية أو مواقع مرتبطة بالتحالف الدولي في العراق وسوريا، ما أثار مخاوف من توسع دائرة الاستهداف لتشمل دولًا حليفة لواشنطن، ومنها الأردن.
وفي حال انتقال هذا النوع من الهجمات إلى الأراضي الأردنية، فإن الرسالة لن تكون موجهة إلى الولايات المتحدة فقط، بل ستكون اختبارًا لقدرة الدولة الأردنية على حماية أجوائها ومنشآتها السيادية.
لماذا الأردن مهم في الحسابات الإيرانية؟
السؤال الأساسي ليس فقط: لماذا توجد قواعد أمريكية في الأردن؟
بل: لماذا يمثل الأردن أهمية استراتيجية في الصراع الإقليمي؟
الإجابة ترتبط بعدة عوامل:
1- الأردن يقع في قلب الممرات الإقليمية
يشكل الأردن نقطة اتصال بين العراق وسوريا وفلسطين والخليج، وهو موقع يمنحه أهمية كبيرة في حسابات النفوذ الإقليمي.
فأي مشروع يسعى إلى بناء نفوذ بري متصل من إيران مرورًا بالعراق وسوريا يحتاج إلى بيئة إقليمية تسمح بحرية الحركة، بينما تمثل حدود الأردن وسياساته الأمنية عاملًا يحد من هذه الحركة.
2- الحدود السورية… خط التماس الأكثر حساسية
منذ اندلاع الأزمة السورية، أصبحت المنطقة الجنوبية من سوريا مصدر قلق دائم للأردن.
فعمان تنظر إلى أمن الجنوب السوري باعتباره امتدادًا مباشرًا لأمنها الوطني، خصوصًا مع انتشار شبكات تهريب المخدرات والأسلحة ووجود جماعات مسلحة مختلفة بالقرب من الحدود.
وتشير تقديرات أمنية إلى أن بعض هذه الشبكات ترتبط بجماعات مسلحة مدعومة من إيران، وهو ما جعل ملف الحدود السورية أحد أهم نقاط الاحتكاك بين الأردن والبيئة المحيطة بها.
3- رفض وجود السلاح خارج الدولة
يرتكز الموقف الأردني على مبدأ أساسي: أن الأمن لا يمكن أن يستقر في المنطقة مع وجود جماعات مسلحة تعمل خارج مؤسسات الدولة.
وهذا الموقف يضع المملكة في تعارض غير مباشر مع فلسفة بعض الفصائل المسلحة التي ترى أن امتلاك السلاح خارج إطار الدولة جزء من نفوذها السياسي والعسكري.
العلاقات الأردنية السورية… بين المصالح والقلق الأمني
رغم الخلافات التي فرضتها سنوات الأزمة السورية، بقيت العلاقة بين عمان ودمشق مرتبطة بملفات لا يمكن تجاهلها، أبرزها أمن الحدود والتجارة ومكافحة التهريب.
ويرى الأردن أن وجود دولة سورية قادرة على السيطرة على كامل أراضيها يمثل مصلحة مشتركة، لأنه يقلل فرص نشاط الجماعات المسلحة والشبكات غير القانونية.
لكن التحدي يتمثل في أن الجنوب السوري أصبح خلال سنوات الحرب مساحة تنافس بين أطراف متعددة، الأمر الذي جعل الأردن يتعامل بحذر مع أي تمدد عسكري غير رسمي قرب حدوده.
هل الهدف الحقيقي هو القواعد الأمريكية فقط؟
الإجابة الأقرب وفق قراءة المشهد: لا.
فالقواعد الأمريكية تمنح بعض الفصائل ذريعة معلنة للتصعيد، لكنها لا تفسر وحدها حجم الاهتمام بالأردن.
فالاستهداف المحتمل للأردن يرتبط أيضًا بمحاولة التأثير على دولة ذات موقع استراتيجي، ومنعها من لعب دور أمني في ضبط الحدود، والحفاظ على توازن إقليمي لا يخدم بالضرورة مشاريع النفوذ الإيرانية.
كما أن الأردن يمثل نموذجًا مختلفًا في المنطقة؛ دولة مستقرة نسبيًا، ذات علاقات واسعة مع الغرب والدول العربية، وتحاول منع انتقال صراعات الآخرين إلى أراضيها.
الأردن في مواجهة صراع أكبر من حدوده
لم يدخل الأردن دائرة الاستهداف لأنه اختار مواجهة طرف إقليمي، بل لأنه يقع في منطقة تتقاطع فيها مشاريع النفوذ.
فالقواعد الأمريكية عامل من عوامل التوتر، لكنها ليست السبب الوحيد.
فالموقع الجغرافي، والحدود مع سوريا والعراق، ومحاربة التهريب، ومنع تمدد الجماعات المسلحة، كلها عناصر جعلت المملكة جزءًا من حسابات الصراع الإقليمي.
وفي النهاية، فإن المعركة الحقيقية ليست فقط حول وجود قوات أمريكية في الأردن، بل حول شكل المنطقة المقبلة: هل تكون الدول صاحبة القرار الأمني، أم تفرض الجماعات المسلحة العابرة للحدود واقعًا جديدًا؟
حمى الله الأردن وقائدهُ وقواته الباسلة المرابطة على حدوده أرضاً وجواً