تُمثّل الملكية العقارية في الفلسفة القانونية والدستورية حقاً مُصاناً لا يجوز الاقتراب منه إلا لضرورات المنفعة العامة، وضمن شروط صارمة تُحقق التوازن المأمول بين سلطة الدولة وحق الفرد. غير أن التعديلات الأخيرة على قانون الملكية العقارية الأردني—ولا سيما في الجزئيات المتعلقة باستملاك أراضي المواطنين لمشاريع البنية التحتية وعلى رأسها مشاريع السكك الحديدية—أثارت جدلاً واسعاً ومخاوف حقيقية لدى الشارع القانوني والشعبي على حد سواء. وتكمن الإشكالية الكبرى هنا في استمرار العمل بمبدأ "اقتطاع الربع المجاني" لصالح المنفعة العامة دون تقديم أي تعويض للمواطن. وفي حالة مشاريع السكك الحديدية بالذات، يُشكل هذا الاقتطاع عبئاً مالياً ونفسياً ثقيلاً؛ إذ غالباً ما تخترق هذه السكك الأراضي وتُقسّمها، مما يجعل الأجزاء المتبقية منها غير صالحة للاستثمار أو البناء ويُذهب بقيمتها العقارية كلياً، ليكون المواطن بذلك "الحلقة الأضعف" في معادلة الاستملاك أمام قوة السلطة التنفيذية.
ومما يبعث على التساؤل والتعجب حقاً، موقف العديد من أعضاء مجلس النواب الذين أيدوا هذه التعديلات، في وقت كان يُفترض فيه أن يكونوا السد المنيع والمدافع الأول عن حقوق المواطنين وأملاك قواعدهم الانتخابية. فالمواطن الأردني لا يواجه فقط اقتطاع جزء من أرضه مجاناً، بل يُصدم أيضاً بأن التعويض عن الجزء المتبقي يُقدّر وفقاً لـ "السعر الإداري" ومعدل البيوعات المسجلة في السنوات الأخيرة، وهي آلية تقدير جامدة لا تعكس القيمة السوقية العادلة والواقعية لهذه الأراضي. وبناءً على ذلك، فإن تحقيق العدالة الناجزة يقتضي الابتعاد عن التقديرات الإدارية النموذجية؛ إذ كان الأولى بالمشرّع أن ينتهج ما استقرت عليه عدالة المحاكم الأردنية الراسخة من خلال تشكيل لجان خبراء مستقلة ومشهود لها بالكفاءة والنزاهة، مع إتاحة مجالات واسعة للاعتراض والطعن عبر مراحل متعددة، وانتخاب أكثر من خبير لضمان الاستقرار والعدالة القانونية للجميع.
ختاماً، إننا نرى الحكومة الأردنية تسعى جاهدةً وبشكل مستمر لتحصين نفسها وتحصين المؤسسات والشركات الخدمية الكبرى (كشركة الكهرباء وسلطة المياه) لضمان حماية أموالها وحقوقها في مواجهة المواطن، وهو أمرٌ مفهوم في إطار تنظيم الدولة. ولكن بالمقابل، يجب أن يسري هذا الحرص بمسار عكسي ومساوٍ لحماية أموال وأملاك المواطنين عند استملاكها لغايات السكك الحديدية أو المرافق العامة؛ فالعدالة لا تجزأ، والتعويض العادل الفوري ليس منّة، بل هو حق دستوري أصيل يضمن ألا تُبنى المنفعة العامة على حساب إفقار المواطن الأردني.