اليوم نعود إلى السنديانة الأولى إلى العاصمة الحبيبة التي تسكن تفاصيلنا نعود لنقرأ عَمّان لا بوصفها مجرد نقطة على الخريطة بل بصفتها حالة حضارية وإنسانية فريدة استعصت على النسيان وظلت عبر العصور ملهمة العقول والقلوب هذا النص ليس تكراراً للمديح بل هو تفكيك لسر هذه المدينة التي قامت على جغرافيا الحصن وعمق التاريخ وبلاغة القصيدة وعبقرية الإنسان
المتأمل في طبوغرافية عَمّان يدرك عراقة تكوينها بل جرى توظيف طبيعتها لتكون منارة شامخة لم تمتد عَمّان أفقياً كباقي المدن بل صعدت عمودياً نحو السماء لتمثل جبالها السبعة قلاعاً طبيعية تمنح الساكنين طاقة نادرة من الأمان والسلام النفسي بعيداً عن صخب الآلات المحبط في العواصم الكبرى والالتزام التاريخي بالحجر الأبيض الناصع منح المدينة وقاراً يعكس ضوء الشمس بطريقة مدهشة وهي مدينة تُقرأ بالحواس برائحة الياسمين والمجنونة المتدلية من أسوار بيوت الجبال وبعبق القهوة العربية الأصيلة الممزوجة بالهيل وتآلف صوت الأذان وقرع الأجراس عبر الوديان
عَمّان ليست عاصمة طارئة بل هي الشاهد الحي والأمين على نشأة الفكر البشري وتطور الدولة ففي حدود عام 7250 قبل الميلاد خرجت من أرض عَمّان أقدم تماثيل بشرية تشكيلية في العالم لتثبت أن الروح والحضارة نبتتا هنا قبل آلاف السنين وقد نجحت عَمّان في ترويض الحداثة حيث تصافح ناطحات السحاب الحديثة في العبدلي عراقة البيوت الحجرية القديمة في جبل اللويبدة وجبل عَمّان وجبل الاشرفية كشاهد على مسيرة كفاح وبناء قادها الآباء والأجداد بالجهد والصبر
المكان والزمان والشعر بلا إنسان هما مجرد أطلال صامتة والسر الحقيقي وعجلة القيادة في عَمّان يكمن في الإنسان العُماني الأردني الذي لم يكن يوماً مجرد ساكن للمدينة بل هو صانعها وأداتها الأساسية للرفعة والتطور إن هذا الإنسان بما يحمله من وعي وعلم وعزيمة هو الذي طوّع الصخر وبنى المؤسسات وحوّل عَمّان من بلدة وادعة إلى عاصمة إقليمية يشار إليها بالبنان في مجالات التعليم والطب والثقافة والتطور الرقمي.
عقل الإنسان الأردني هو الثروة الحقيقية التي قادت قصة النجاح والرفعة وما يميز الإنسان العُماني هو قدرته العجيبة على قيادة سفينة التنوع فقد استقبل الدنيا بقلب مفتوح واحتضن الأشقاء الباحثين عن الأمان وصهر الجميع في بوتقة وطنية واحدة دون أن تذوب خصوصية أحد صانعاً نسيجاً اجتماعياً متماسكاً يرتكز على الشهامة والكبرياء والمحبة والعمل الدؤوب لأجل رفعة الوطن
لم تكن عَمّان يوماً جغرافيا صامتة بل كانت في أحلك الظروف التاريخية ملجأً وملاذاً تبارى الشعراء في خطب ودّها وود أهلها فمنذ القدم ارتبط اسم عَمّان في الشعر العربي بكونها أرض الحنين وممر الوفود وقوافل المجد ففي العصر الأموي خلدها الشاعر جرير كمنزل للأحبة والندامى قائلاً. سقى بطحاء عمان الندامى وأسقى عهد جيرتها العهادا. .
وفي العصر العباسي كانت جبالها ووديانها رمزاً للمنعة في شعر أبي تمام الذي قال.
جلبنا الخيل من عمان تجري نوازع في أعنتها الصفاد. بينما وصفها شاعر العصر الأيوبي سبط ابن التعاويذي بوصفها واحة النقاء التي تعيد الشباب للمغترب. بلاد نقي جوها ومياهها تعيد شباب المرء إن كان أعزلا.
ومع بزوغ فجر الدولة الحديثة صاغ رواد الأدب الأردني لعَمّان وإنسانها قلائد من ذهب ناطقة بالكبرياء فهذا عرار مصطفى وهبي التل أمير شعراء الأردن يرى عَمّان بوصلة الوجدان والنبض الأصيل فيتغنى ببساطة أهلها وأصالتهم قائلاً.
آه يا عمان والأيام حالية والعيش غض وأهلونا هم الأهل .
ويأتي سليمان المشيني.
صوت الهوية والانتماء ليصوغ لعَمّان نشيداً خالداً يرسخ مكانتها كعروس للمجد حيث قال عمان يا دار المجد والعلياء يا قلعة الأبطال والشرفاء ويلخص.
حيدر محمود شاعر الوطن قدرة عَمّان العجيبة على احتضان الجميع بدفء كشال من الحرير يزهو به كل مغترب أرخت عمان في لحني وفي كتبي لما رأيت حروف المجد من ذهب عمان شال من الحرير ننشره على الجبال فيزهو كل مغترب
عَمّان هي واجهتنا المشرفة وبطاقة تعريفنا الأولى أمام الدنيا هذا المقال ليس مجرد كلمات تُقرأ وتُنسى بل هو دعوة لمهمة وطنية دعوة لننظر إلى شوارعنا وجبالنا بعيون الوعي والفخر ولنؤمن بأن سواعدنا وعقولنا هي التي ستواصل كتابة هذا المجد فإذا لم نبرز نحن جلال عَمّان وعمق تاريخها وفصاحة شعرائها ونبل وعطاء إنسانها الباني فلن ينصفها العالم نيابة عنّا عَمّان الزمان والمكان والإنسان قضية حية وحكاية نهضة نرويها معاً لتظل دائماً كما تستحق قوية وشامخة ومضيئة.