"إرث يمتد.. أجيال تلتقي" هكذا يُقرأ شعار مهرجان جرش في دورته الأربعين ، لكنّني قرأت هذا الإرث منذ ولادتي التي ضمّها حنا صدر أمّي في صورةٍ لا تفارقني لحظة بين شارع الأعمدة ، في تلك المدينة التي لا تقف عند حدّ " الأثريّة " لم تكن صورة عاديّة تلك . إنّها مَهد أحلامي ؛ أراها كلّ يوم تكبر معي ، لم تعبث الدنيا حين التَقطت صورتي تلك .
سأتحدّث بتجرّديي كفنّان ، وسأبتعد عن مجابهات السياسة ؛ فأنا لا أجامل أحداً ، ولا أمدح كذلك ، لكنّني سأقف على حدود رؤيتي ؛ وأنا أستعرض أُفق الطريق في مسيرة فنيّة ؛ لا تقتصر على مهرجان جرش ، غير أنّه كبيرٌ إلى الحدّ الذي يَسمح له بتصدّر مسيرة البناء الذي نَتوق له حقّا ، هذا يعني أنّنا لا نرى في الفنّ _ مهما كان مجاله _ مساراً ثانويّا أو ترَفيّا ، ونحن نواجه الأصوات التي تدعو إلى تأمين قُوْت المواطن ، قبل الحديث عن ذلك ، ليس لتجهالنا أحقيّة هذه الأصوات ، بلّ لأنّنا نرى طريقاً لحلّ مشاكلها غير ما تراه ، وهي تعتمد ذات آليات هذه الحلول .
سنبدأ بجمال صورة تحفتنا " مهرجان جرش " التي لا تترك أردنيّا واحداً ؛ قبل أن تُلقي في أذنه صباحاً أصوات مجد أنغام " برومو " المهرجان ، تلك النسمات التي بدات مع بدايات مولدنا وحَمَلها من قبلنا ومن بعدنا ، ليست لأنّها " لغة الروح فقط " بل لأنّها ارتبطت بالصبا ؛ هذا الصبا لم يكن قاصراً على عدد سنوات العمر ، لقد تجاوزها إلى الأحلام ؛ التي كانت تولد كل يومٍ مع ميلاد شمسٍ فوق أرض بلادنا ؛ كانت كفيلةً هذه النغمات بأن تعيدنا مع إشراقات الصباح إلى عنفوان هذا الصبا ، فنحن الأردنيّون _ كما الأحلام وكما هو الفن _ لا نَشيْخ .
في صعيد فعاليّات المهرجان ؛ لم تكن غائبةً قوّة الجاذبيّة التي أنجبتها فعاليّاته بعد أن تعدّت المئتين ؛ وهي تراقص أحلام الأجيال الممتدّة من مبدأ التأسيس ، وحقبة المروءة التي ربّتنا ؛ إلى سباقات التحضّر والتقدّم ؛ التي رسمتها مساحة الألوان الأردنيّة ؛ بعد أن وسّعت ذراعيها فتحةً وهي تُنادي كلّ جديدً ؛ في انفتاحتها على شعوب الأرض قبل فنونها ، وأعراقها ومعتقداتها ؛ قبل ألوانها ؛ أرضُنا الجميلة ؛حاملة أعمدة جرش ؛ تقف مرحّبة مهلّلة بضيوف مدارجها المضيافة .
نقطة الوصول التي بلغها مهرجان جرش _ برغم الانتقادات التي ترافقه في كلّ مرة _ صنعت فوق أساسات التراكم الحضري ؛ الذي رآه الاردن في أردنيّته مدينة ثقافيّة افتراضيّة ، ليست المختلفات من مجالات الفنون وحدها السبب ، إنّها سيرةٌ سابقةٌ معاصرةٌ ، وأملٌ قادمٌ ؛ رآه الآخرون في بنائنا هذا ؛ فلم تكن المشاركة في " متحفنا " هذا حُلُماً لفنانين ومبدعين من مختلف الدول لولا " جدارة " الفنّ الاردني في أن يسعى الآخرون إلى الوقوف بجانبه ، ويضيفوا مع هذا شرفاً في دفاتر سيرتهم .
هذه الجدارة ؛ كانت وليدة ألَقٍ صنّعتْه أيادي أؤلئك الذين رأو فينا أملاً ؛ ممّن ساروا في درب الفنّ ؛ مؤمنين مصدّقين به رسالةً تتجاوز لغات العالم وأطيافه . لقد ضحّى هؤلاء كي يروا أبناء أرضهم يتكاثرون فوق فخر الانجاز .
مهرجان جرش ليس منظّمة خطّتها أوراق رسميّة ، ولا مكاناً طبيعته جميلة ، و لا أناساً طبيعتهم محبّة ، إنّه روح تجاوزت فكرة المؤسّسة ، وعَلَتْ فوق فكرة الجامعة والمدرسة ، إنّه جزء من وطن ، لابل جزء من روح أبنائه الذين لا تغيّرهم موجات العصر إلّا لما أرادوا .
ونحن نرقُب لوحاتنا الجميلة في متحفنا هذا ، ونطلّ على حداثة مسرح الهيبودروم ، وانضمام المونودراما ضمن فعاليات جرش ، وتقدير شخصية مهرجان المونودراما ؛ القديرة : " قمر الصفدي " وتحت ظلال إعجابنا بإدارة القديرة : " عبير عيسى " وجميع فنّانينا ، نتسائل : أين هي باقي قدرات هذه الأعمدة ؟
نقصد هنا فناني الاردن جميعاً ؛ فقدراتهم تفوق تكريمهم ؛ هذا يقودنا إلى طرح فكرتنا حول إدارة المهرجان ؛ متحفنا الجميل هذا ؛ يتطلّب إدارة فنيّة بالكامل ؛ تُبعده بالدرجة الأولى عن همّ الترويج السياحي ؛ الذي يطغى أحياناً على جوهر هذه الروح " الفنون تجلب السياحة وليس العكس " وهي بالتالي تجني المشاريع السياحيّة والتجاريّة المعتمدة على الفنّ ، عليهم _ أي الفنّانين _ أن يتحمّلوا مسؤوليّاتهم ؛ حتى يتقدّم المبدع ويتراجع غيره ، بادروا أيها الفنّانون ؛ ولا تتركوا ساحاتكم لمن لا يستحقّ.
الفنان الأردني هو من بنى هذا المهرجان ، وهو لا يحتاج تكريماً ، يكفيه أنْ يكون فنّاناًكي ينال رتبة الشرف هذه ، هذه المكانة لا يبلغها إلّا كلّ موهوب ؛ عارَك متاعب مشوار الوصول ، الذي يطرح كل من ليس أهلاً له ، لهذا يتميّز فنّاننا الأردنيّ أينما حلّ ؛ مع هذا كان لزاماً أن يقود كلّ فنان جزءا من بنائه ، لن نخجل في مقامنا هذا أن نبدي وجهة نظرنا : بضرورة تصدّر المبدعات الأردنيّات مشاهد إدارة هذه النشاطات ؛ يجب أنْ تظهر الوجوه الجميلة في مشهد الفنون على اختلاف أشكالها ؛ بحقِّ أقول : جمال الفتاة الأردنية ؛ جزء من هويّة الأرض الأردنيّة .
المهرجان فرصة للفنّانين والمبدعين باطلاعهم على تجارب الآخرين ، كما أنّه فرصة لغيرهم من الاردنيّين ؛ وفرصة لغير الأردنيّين كذلك ؛ تفتح آفاقاً رحبةً لفهم الآخر ؛ ينبغي معها استدامة عرض مخرجاتها طوال العام في مختلف وسائل الاتصال ؛ بما يضمن توجيه أحلام الشباب باتجاه العمل المنتج في الفنون ، متجاوزاً مرحلة التذوّق ؛ نظريتنا تقول : " أنْ أرسم لوحة أفضل من أنْ أذهب إلى الجامعة وأتعلم الرسم .. وهكذا " . لقد شَهدنا أنظمة سادت زمنا طويلاً _ مع ظلمها – بفضل مساحة الفنون التي أتاحتها ؛ ذهبت تلك الأنظمة وبقيت فنونها " لا تاريخ صلاحيّة للفن " .
كي يبقى مهرجان جرش حيّا متفاعلاً مع يومنا ؛ ينبغي أن نضمن عرضاً لإنجازات كلّ فئاته ، لأنّنا سنستغني حينها عن كثيرٍ من برامج التعليم والتدريب ، وكذلك مؤسّسات التشغيل والتأهيل ، وغيرها من مؤسّسات قد لا تفيد الفنان أو غيره ، ما يعني أنّنا أمام استثمار حقيقيٍّ منتجٍ على الأرض ، وليس على الورق .
هذا يقضي بالضرورة ؛ واتّساقاً مع نظريّتنا : " الفنان لا يشيخ " أن يحلّ الفنّان محلّ " مؤثري " السوشال ميديا ، ليس في الكوميديا بدل السخرية فقط ، بل في كلّ مجالاتها – أي السوشال ميديا ـ ومعها السياسة الساخرة و معهم المذيعين كذلك ، وأن يُضاف فنّ " السوشلة " هذا إلى قِطع المهرجان الفنيّة ؛ طالما كانت باتّزان فنّانينا ، لماذا نُبيقهم طيّ الخفاء ونحن نمتلك القدرات ؛ وبلادنا صاحبة جمالٍ ؛ يمنحها قوّةً لاستيعاب كلّ المختلفات .
" السوشلة " التي تعني سرعة عرض الصور بهدوء رصانتنا ، ولا تعني بالضرورة سرعة مرور الوقت ؛ فقد يستغرق العمل ساعة أو أكثر ؛ ومع ذلك يكون سريعاً لأنّه يشدّ الإنجذاب .