لا يمكن النظر إلى مهرجان جرش للثقافة والفنون على أنه مجرد تظاهرة فنية أو موسم ترفيهي، بل هو مشروع وطني متكامل يحمل أبعادًا ثقافية وسياسية واقتصادية، ويجسد رؤية الأردن في توظيف الثقافة والفنون بوصفها قوة ناعمة تعكس هوية الدولة ورسالتها الحضارية. وفي دورته الأربعين، يكتسب المهرجان أهمية استثنائية، إذ يأتي في توقيت إقليمي بالغ الحساسية، تشهد فيه المنطقة اضطرابات وتحديات متسارعة، ليبعث برسالة واضحة إلى العالم مفادها أن الأردن دولة راسخة في أمنها واستقرارها، وقادرة على مواصلة رسالتها الحضارية والإنسانية رغم ما يحيط بها من متغيرات.
إن استمرار إقامة مهرجان جرش في هذه الظروف ليس قرارًا تنظيميًا فحسب، بل هو موقف وطني يعكس ثقة الدولة بمؤسساتها، وكفاءة أجهزتها، وقدرتها على تنظيم الفعاليات الكبرى بأعلى درجات الاحترافية، ويؤكد أن الأردن، بقيادته الهاشمية، سيبقى واحة أمن وأمان، ووجهة سياحية وثقافية يقصدها الزوار من مختلف أنحاء العالم.
ومن أبرز الدلالات التي يرسخها مهرجان جرش الرعاية الملكية السامية التي حظي بها على امتداد أربعة عقود، والتي لم تكن مجرد رعاية لفعالية ثقافية، بل تعبيرًا عن إيمان القيادة الهاشمية بأهمية الثقافة والفنون في بناء الإنسان، وتعزيز الهوية الوطنية، وترسيخ مكانة الأردن الحضارية. وقد شكلت هذه الرعاية المتواصلة رسالة طمأنينة للأردنيين وللعالم أجمع بأن الأردن سيبقى وطن الأمن والسلام والفرح، وأن الثقافة في الفكر الهاشمي ليست نشاطًا هامشيًا، بل ركيزة من ركائز الدولة، وجسرًا للحوار بين الشعوب، وأداة لتعزيز صورة الأردن المشرقة في المحافل الدولية.
وليس من قبيل المصادفة أن تستقبل المدينة الأثرية في جرش آلاف الزوار من داخل الأردن وخارجه، وأن تحتضن فرقًا وفنانين ومثقفين من مختلف الدول. فهذه المشاركة الدولية تؤكد أن الثقافة ما تزال قادرة على بناء جسور التواصل بين الشعوب، وأن الأردن يواصل أداء دوره الحضاري، مؤمنًا بأن الحوار والإبداع والفكر أدوات لترسيخ السلام وتعزيز قيم الإنسانية.
ولا تقتصر أهمية المهرجان على أبعاده الثقافية والسياسية، بل تمتد إلى الجانب الاقتصادي، إذ يسهم في تنشيط الحركة السياحية والتجارية، ودعم قطاعات الفنادق والمطاعم والأسواق والحرف اليدوية ووسائل النقل، إلى جانب توفير فرص عمل موسمية، كما يتيح للمطابخ الإنتاجية والأسر المنتجة فرصة ثمينة لإبراز المأكولات الأردنية التراثية وتسويقها أمام آلاف الزوار من داخل المملكة وخارجها، بما يسهم في الحفاظ على الموروث الغذائي الأردني وتحويله إلى منتج سياحي وثقافي يعكس أصالة المجتمع الأردني. ويؤكد ذلك أن الاستثمار في الثقافة ليس ترفًا، بل رافعة للتنمية ومصدرًا مهمًا من مصادر الدخل الوطني، خاصة في محافظة جرش التي تتحول خلال أيام المهرجان إلى مركز اقتصادي وثقافي نابض بالحياة.
لقد أثبت مهرجان جرش، على مدى أربعة عقود، أنه أكثر من مهرجان؛ فهو نافذة يطل منها الأردن على العالم، ومنبر يعكس هويته الثقافية، ويبرز إرثه الحضاري، ويؤكد أن هذا الوطن، رغم التحديات، ماضٍ في ترسيخ قيم الحياة والإبداع والانفتاح. كما يجسد رسالة سياسية واضحة مفادها أن الأمن والاستقرار في الأردن ليسا مجرد شعارات، بل واقع يعكسه نجاح الدولة في تنظيم حدث ثقافي دولي بهذا الحجم، واستمرارها في أداء رسالتها الحضارية بثقة واقتدار.
وسيظل مهرجان جرش شاهدًا على أن الأردن، بقيادته الهاشمية الحكيمة، وشعبه الوفي، ومؤسساته الراسخة، قادر على الجمع بين حماية أمنه الوطني، وتعزيز حضوره الثقافي، ودعم اقتصاده، والانفتاح على العالم، ليبقى وطنًا للسلام، ومنارةً للثقافة، ورسالة أمل تؤكد أن الحياة تستمر، وأن الفرح والثقافة والإبداع هي أقوى رد على كل التحديات.