(يا حبذا لو تسمى أحد مرافق الجامعة الأردنية باسم الدكتور كميل موسى فرام)
عمان-الأردن
٢٠٢٦/٧/٢٨
القس سامر عازر
هذه هي كلمات الشاب طالب الطب موسى كميل فرام في ذكرى مرور ستة أشهر على رحيل والده، المرحوم النطاسي البارع الدكتور كميل موسى فرام، أحد أشهر أطباء النسائية والتوليد في الأردن، والمحاضر في الجامعة الأردنية، أمِّ الجامعات.
لم تكن كلماتك، يا موسى، كلماتٍ عابرة، بل كانت تنبض بالشوق والحنين والألم لفراق والدك الذي رحل مبكرًا، وكان يتوسم فيك مستقبلًا طبيًا باهرًا، ويرى فيك امتدادًا لمسيرته العلمية والإنسانية، وتحقيقًا لأعلى مراتب التقدم والنجاح. وأنا على يقين بأنك ستكون عند حسن ظنه، وفاءً لوصيته، وتحقيقًا لما كان يحلم به من أجلك.
لكن الحياة كثيرًا ما تضع على أكتافنا مسؤوليات لم نستعد لها، وتفرض علينا أدوارًا لم نختر توقيتها. وقد حملت، يا موسى، منذ رحيل والدك، مسؤوليات مبكرة تجاه عائلتك، وهي مسؤوليات تحتاج إلى الحكمة والصبر قبل أن تحتاج إلى الخبرة. غير أنني على ثقة بأنك، وأنت قرة عين والديك، ستنهض بها بكل اقتدار، وستواصل المسيرة الأكاديمية والطبية والفكرية والثقافية والإنسانية التي رسمها والدك بعلمه وعمله.
ولذلك كان جميلًا أن تبدأ رحلة البحث عن فكر والدك في أعماله وكتاباته، ولا سيما مقالاته الغزيرة المنشورة في صفحات جريدة الرأي الغراء، التي أتاحت له مساحة واسعة ليطرح من خلالها رؤيته الوطنية والإنسانية، وخبرته الطبية، وأفكاره الثرية. وكانت كتاباته تنبض بحب الأردن وقيادته، وبالإيمان برسالة الطبيب في خدمة الإنسان، والتخفيف من آلام المرضى والمتألمين.
نعم يا موسى، يحق لك أن تفتخر بوالدك، وأن تحمل اسمه بعد اسمك بكل اعتزاز، بل وأن تسمّي ابنك مستقبلًا كميل موسى كميل فرام، ليحيط بك اسم كميل من اليمين واليسار، لا بوصفه اسمًا فحسب، بل إرثًا من العطاء. فأنت لا ترث الاسم وحده، بل ترث مسيرةً مشرقة، وأمانةً أخلاقية، ورسالةً إنسانية، تتعهد بنقلها إلى ذريتك الصالحة.
وكيف لا تفتخر بوالدك، وقد ذاعت شهرته طبيبًا قديرًا، وخدم مرضاه بأمانة وإخلاص، من غير تمييز في الدين أو الأصل أو العرق، مجسدًا روح السيد المسيح القائل: "كل ما فعلتم بأحد إخوتي هؤلاء الأصاغر فبي فعلتم."
لقد شاءت إرادة الله أن تكون خاتمة رحلة والدكم في المكان الذي أحبَّه وخدم فيه؛ فقد انتقل إلى الأمجاد السماوية في حرم مستشفى الجامعة الأردنية، وأثناء تأدية رسالته وبين مرضاه، يتفقدهم ويسهر على علاجهم، غير مدخر جهدًا، رغم ما كان يعانيه من متاعب صحية في أيامه الأخيرة. وما أعظمها من شهادة أن يغادر الإنسان هذه الحياة وهو يؤدي واجبه ويخدم الآخرين.
ولوالدكم بصمات كثيرة يعرف الناس بعضها، ولا تزال أخرى تنتظر من يوثقها ويحفظها للأجيال. لذلك أدعوكم إلى جمع إرثه العلمي والفكري والإنساني، ليبقى شاهدًا على حياة قدّمت بسخاء، ولم تعش لنفسها، بل للآخرين.
وربما كان الرحيل مبكرًا، ولكن من منا يملك ساعة رحيله؟ فهي بيد الله وحده. فالعمر لا يُقاس بطوله أو قصره، بل بما يقدمه الإنسان من خير ومحبة وعطاء. فالإنسان لا يخلّدُه عددُ سنواته، بل أثره الطيب في قلوب الناس، وعمله الصالح الذي يبقى بعد رحيله. وهذا هو الإرث الحقيقي الذي تركه الدكتور كميل موسى فرام.
فارفع رأسك عاليًا، يا موسى، أنت وأخواتك الدكتورة فرح والدكتورة رند، ووالدتك المهندسة ريندا، وعائلتي فرام وغريّب، فلكم أن تفتخروا بهذه المسيرة المهنية والإنسانية المشرفة التي اقترنت باسم والدكم الكبير. وإنني أرى أن هذا الاسم يستحق أن يُكرَّم، وأن يُخلَّد بإطلاقه على أحد أقسام الجامعة الأردنية، أو على أحد شوارع الوطن، وفاءً لعطاء رجلٍ خدم وطنه والإنسان بإخلاص، وترك بصمةً ستبقى حاضرة في ذاكرة كل من عرفه.
وأما فرحي بك، يا موسى، فهو فرح خاص، إذ أراك أخًا وصديقًا وزميلًا منذ الطفولة لابني دانيال عازر، وها أنتما اليوم تجلسان معًا على مقاعد دراسة الطب البشري في الجامعة الأردنية. وأتوسم فيكما مستقبلًا واعدًا، وأن تكونا طبيبين يحملان العلم الرفيع، والثقافة الواسعة، والضمير الحي، فيكون علمكما رسالة رحمة قبل أن يكون مهنة، وخدمة للإنسان قبل أن يكون وسيلةً للرزق.
وختامًا، نستذكر كلمات الرسول بولس التي تنطبق على كل من أتم رسالته بأمانة: «قد جاهدتُ الجهاد الحسن، أكملتُ السعي، حفظتُ الإيمان، وأخيرًا قد وُضع لي إكليل البر الذي يهبه لي في ذلك اليوم الرب الديان العادل.»
رحم الله والدكم الدكتور كميل موسى فرام، وأحسن عزاءكم، وجعل ذكراه العطرة دافعًا لكل طبيب أن يحمل رسالته بعلمٍ متواضع، وقلبٍ رحيم، وضميرٍ حي، وأن يبقى اسمه شاهدًا على أن الإنسان قد يرحل عن هذه الأرض، لكن عطاياه ومحبته وسيرته الصالحة تبقى حية في قلوب الناس، جيلاً بعد جيل.