في بعض المؤسسات يوجد هيكل تنظيمي واضح، ومدير، ورؤساء أقسام، وتعليمات، ولوائح عمل. لكن الواقع اليومي يكشف أحيانًا عن هيكل آخر لا يظهر في أي دليل تنظيمي، ولا يحمل أصحابه أي صفة رسمية، ومع ذلك يمتلك تأثيرًا قد يفوق تأثير المناصب نفسها.
إنها الشللية.
وليس المقصود هنا الصداقة بين الزملاء، فالعلاقات الإنسانية الصحية عنصر مهم في أي بيئة عمل. المشكلة تبدأ عندما تتحول العلاقة الشخصية إلى معيار إداري، ويصبح الانتماء إلى دائرة معينة أقوى من الكفاءة والخبرة والإنجاز.
في تلك اللحظة، تتغير قواعد اللعبة كلها.
لا يعود السؤال: من أنجز أكثر؟
بل يصبح: من الأقرب؟
ولا يعود القرار يبحث عن أفضل فكرة، بل عن صاحب الفكرة. فإذا جاء الاقتراح من داخل الدائرة المغلقة استحق الدراسة، وإن جاء من خارجها احتاج إلى عشرات المبررات ليتم تجاهله.
الأخطر أن الشللية لا تعلن نفسها. فهي لا تكتب قراراتها، ولا تصدر تعميمات، ولا تضع لافتة على بابها. لكنها حاضرة في كل التفاصيل الصغيرة؛ في اجتماع لا يُدعى إليه الجميع، وفي معلومة تصل إلى أشخاص قبل غيرهم، وفي فرصة تدريب تُمنح للأسماء نفسها، وفي ترقية يعرف الجميع نتيجتها قبل أن تبدأ إجراءاتها.
ومع الوقت، تتشكل داخل المؤسسة عدالة جديدة لا تشبه العدالة التي تنص عليها الأنظمة.
خطأ أحد أفراد المجموعة يصبح اجتهادًا، وتأخره ظرفًا طارئًا، وضعف إنتاجيته مرحلة مؤقتة. أما الخطأ نفسه إذا صدر من موظف خارج الدائرة، فيتحول إلى دليل على ضعف الكفاءة، وربما إلى سبب لتجميد مستقبله الوظيفي.
وهنا تبدأ المؤسسة بإرسال أخطر رسالة يمكن أن يتلقاها موظفوها: المعيار ليس ما تنجزه، بل إلى أي دائرة تنتمي.
عندما تصل المؤسسة إلى هذه المرحلة، فإنها لا تقتل العدالة فقط، بل تعيد تشكيل سلوك العاملين فيها.
الموظف المجتهد يقلل حماسه لأنه لم يعد يرى علاقة بين الاجتهاد والفرصة. والمبدع يتوقف عن طرح أفكاره لأنه يعرف مسبقًا أين ستنتهي. أما أصحاب المصالح، فيستثمرون وقتهم في بناء العلاقات أكثر من تطوير مهاراتهم، لأنهم أدركوا أن الطريق الأقصر للنجاح لم يعد يمر عبر العمل، بل عبر الأشخاص.
وهكذا تنتقل المنافسة من ساحات الإنجاز إلى ساحات النفوذ.
ولا تتوقف الخسارة عند الموظفين، بل تصل إلى الإدارة نفسها.
فالشللية لا تحجب الفرص عن الآخرين فقط، بل تحجب الحقيقة عن متخذ القرار. فالمعلومات التي تصله تكون منتقاة، والآراء التي يسمعها متشابهة، والاعتراضات تُستبعد قبل أن تصل إليه، فيظن أن الأمور تسير على أفضل حال، بينما تتراكم المشكلات في صمت.
ولهذا نجد بعض الإدارات تفاجأ باستقالات متتالية لكفاءات كانت تعتقد أنها راضية، أو بتراجع الإنتاجية رغم عدم وجود أزمة مالية أو تشغيلية واضحة.
السبب في كثير من الأحيان ليس الراتب، ولا ضغط العمل، بل الشعور بأن العدالة أصبحت امتيازًا يمنح للبعض، وليست حقًا للجميع.
المفارقة أن الشللية تمنح أصحابها شعورًا مؤقتًا بالأمان، لكنها تضعف المؤسسة التي يفترض أنها تحميها. فعندما تُستبعد الكفاءات، وتغيب المنافسة العادلة، وتتكرر الوجوه نفسها في كل فرصة، يبدأ الأداء بالانحدار تدريجيًا. وقد لا يظهر ذلك في شهر أو سنة، لكنه يظهر حتمًا عندما تواجه المؤسسة تحديًا حقيقيًا يحتاج إلى أفضل العقول، لا إلى أكثر الأشخاص قربًا من دوائر النفوذ.
المؤسسات القوية لا تخشى العلاقات الإنسانية، لكنها ترفض أن تتحول إلى سلطة موازية. فهي تبني قراراتها على معايير واضحة، وتفصل بين الصداقة والعمل، وتجعل الترقية ثمرةً للإنجاز، لا للمجاملة، والمسؤولية نتيجةً للكفاءة، لا للقرب.
فالعدالة ليست شعارًا يعلق على الجدران، بل ممارسة يراها الموظف كل صباح. وإذا شعر العاملون أن الجميع يقفون أمام المعيار نفسه، فإن الثقة تكبر، والانتماء يزداد، والإبداع يجد طريقه.
أما عندما تصبح عضوية "الدائرة المغلقة” أهم من الخبرة والإنجاز، فلا تسأل لماذا يغادر أصحاب الكفاءة، بل اسأل: كيف أقنعنا أنفسنا أن المؤسسة يمكن أن تنجح بينما تُدار بعلاقاتها أكثر مما تُدار بأنظمتها؟