في مطلع خمسينيات القرن الماضي، سعت الأرجنتين إلى دخول عصر الطائرات النفاثة من خلال مشروع طموح حمل اسم IA-36 كوندور، وهو تصميم غير تقليدي أشرف عليه المهندس الألماني كورت تانك، وتميز بوضع خمسة محركات نفاثة داخل الجزء الخلفي من بدن الطائرة بدلاً من تثبيتها أسفل الجناحين.
وكان من المخطط أن تتسع الطائرة لنحو 32 إلى 40 راكبًا، بسرعة تقارب 950 كيلومترًا في الساعة، ومدى يصل إلى 5 آلاف كيلومتر، إلا أن المشروع لم يتجاوز مرحلة اختبارات النفق الهوائي وصناعة مجسم خشبي بالحجم الحقيقي، قبل أن يُلغى رسميًا عام 1958 دون بناء نموذج قادر على الطيران.
ويرى مختصون أن أسباب إلغاء المشروع تعود إلى عدة عوامل، أبرزها تعقيد التصميم وصعوبة تبريد وصيانة خمسة محركات مدمجة داخل البدن، إلى جانب التحديات الهندسية المتعلقة بالسلامة والاعتمادية. كما ساهمت التكاليف المرتفعة، والتغيرات السياسية والاقتصادية التي شهدتها الأرجنتين بعد الإطاحة بحكومة خوان بيرون عام 1955، في تقليص الدعم الحكومي للمشروع. وفي الوقت نفسه، كانت شركات عالمية مثل بوينغ ودوغلاس ودي هافيلاند تحقق تقدمًا سريعًا في تطوير طائرات نفاثة أكثر بساطة وواقعية، ما جعل مشروع "كوندور" يفقد جدواه قبل أن يرى النور.
وبذلك، بقيت IA-36 كوندور واحدة من أكثر مشاريع الطيران طموحًا وغرابة في تاريخ صناعة الطائرات، لكنها لم تتجاوز مرحلة التصميم، لتتحول إلى صفحة لافتة في تاريخ الابتكار الذي سبق عصره.