ألقى جلالة الملك عبدالله الثاني خطاباً تاريخيا هاما في الجلسة الافتتاحية لاجتماعات الدورة (81) للجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك في 22 ايلول 2026 , خطابا كان كاشفا ومفعما بالمشاعر الطيبة من مليك هاشمي قرشي وضع من خلال محاوره وبضمير عربي اسلامي النقاط على الحروف , والخطاب الذي امتد لعشرين دقيقة ظهر فيه جلالته بكارزيما مميزة حملت معها رؤية ثاقبة للعديد من القضايا الدولية واماكن الصراع والالية التي تتخذ فيها القرارات , ورؤية حصيفة جاء في وقت نحن احوج ما نكون فيه الى مراجعة سريعة وواضحة ومفهومة لشكل النظام الدولي ومستجداته وتحدياته .
وما يلفت النظر في هذا الخطاب انه تحدث بلغة واضحة جزلة تعبرعنا كاردنيين وعن قبادتنا الملهمة في انه رغم محدودية امكاناتنا ,وحاجتنا للمساعدات وللقروض لتسيير امورنا ... الا اننا والحمدلله لدينا كرامة لا يمكن التنازل عنها , ولدينا قضية لا نفرط فيها . ونملك ارادة ومحاور نستطيع تقديمها للعلم بثقة . وعليه فقط كان الخطاب استثنائيا وقويا , تحدث فيه جلالته بفيض من المشاعر العميقة وبحرقة, وبمعان قوية حملت دلالات وضحت للعالم بان الخطاب السياسي الاردني خطاب مرن.
وبين الخطاب عن ايمان الاردن بقضاياه القومية وبقضايا المنطقة حيث يسعى الاردن بشكل دؤوب الى التنسيق الدائم مع غيره من الدول , ما اكد على الدور المتنامي والمحوري الاردني , فالخطاب تحدث عن القضية الفلسطينية والصلف الاسرائيلي وعن القدس والدماء التي قدمها الفلسطينينون , والاراضي التي قضمت , والاهم تحدث عن اسرائيل وحكومتها والتي يتوجب على المجتمع الدولي برمته ردعها, كما تحدث جلالته عن ايران بشكل ايجابي, فلم يتطرق لوابل الصواريخ التي تعرض لها الاردن جراء ما قامت به ايران بل على العكس فقد تطرق جلالته الى "مبادرة السلام العربية "وهنا تذكير للعالم العربي في اين العرب من السلام ؟؟ فكان الجواب الذي قدمه الخطاب حول المبادرة التي طرحت منذ اكثر من عشرين عاما عن ماذا قدمت ؟؟ هل استطاعت تحويل النقاط على الورق الى افعال؟؟ , ما هي الادوات المتاحة لها ؟؟وكيف تم استخدامها ؟ , وكيف تعاملت مع الملفات المطروحة ؟ فجلالته طرح سؤال "لماذا عندما تكون الادوات موجودة ومتاحة لدينا , يتم استخدامها ضمن ملفات الدول اخرى ...لكن عندما يتعلق الموضوع باسرائيل نتوقف ؟؟؟( حالة الدول العربية وقرارات مجلس الامن وفقا للفصل السابع" الملزم " ...والتعامل مع الانتهاكتات الاسرائيلية وفقا للفصل السادس " غير الملزم " . وتابع جلالته بان" اكثر من 57 دولة عربية واسلامية كانت مستعدة للتطبيع مع اسرائيل شريطة اقامة الدولة الفلسطينية على حدود الرابع من حزيران 1967 بما فيها ايران" , ما عنى بان كل ادعاءات اسرائيل اليوم هي ادعاءات باطلة وفارغة , واشار جلالته باصابع الاتهام للوفد الاسرائيلي الجالس في اروقة الجمعية العامة فتابع جلالته الحديث عن المجون الاسرائيلي وهي تضرب عرض الحائط بالقرارات الاممية ,,وكأن جلالته يريد من المجتمع الدولي الاضطلاع بمهامه وبمهام هيئة الامم المتحدة واحترام ميثاقها التي انشأت من أجله , وجلالته كان صريح جدا باستخدام مصطلح " جريمة حرب منظمة " .
واهم فكرة بدأ فيها جلالته خطابه للمجتمع الدولي ما عنى اذا ما اختفت الصورة على الشاشة او اختفى الخبر عنها . فهل يعني ذلك اختفائها عن الواقع المحيط بها ...المشكلة بان المجتمع الدولي على دراية بكل ما يحدث من خلال ادواته ومؤسسات لكن الارادة اختفت. فجلالته اشار الى ان متوسط انتباه الفرد اثناء مشاهدته للشاشة قد تراجع من دقيقتين ونصف في عام 2004 الى 47 ثانية اليوم , ما عناه جلالته بان الشاشة لا تعكس العالم باسره , لكن هذا التغيير يعكس حقيقة اوسع عن عوالم اليوم , فالانتباه اصبح موردا نادرا , واصبح اختيار ما نمنحه الانتباه اكثر اهمية من اي وقت مضى هو مورد معرفي فحسب بل كورد جيوسياسية فما اخترناه اكثر اهمية من اي وقت مضى ما عنى – حفظه الله - بان الانتباه ليس مورد معرفي فقط بل هو محور جيوسياسي , فما نود او نوليه انتباههنا يحدد اي نزاعات يمكن ان تحظى بجهود دبلوماسية مستدامة ما يحدده ( الموثع الجيوسياسي, والموقع الدولي , والتحالفات , والشراكات ) ...وكأنما يريد جلالته ان يوضح لماذا كل هذا الاهتمام بالنزاع الايراني مع ان هناك نزاع اقدم واكثر اهمية فلسطين والتي ما ان تم التركيز اعلاميا على ايران نُسيت غزة وفلسطين وهذا ينطبق كا اشار جلالته على معاناة شعوب وغيرها " فما نهمله اليوم فغالبا ما يحدد مستقبلنا ".
واشار جلالته ...منذ اعوام عديدة والمجتمع الدولي يتعامل -وهو جوهر المشكلة - بمنطق ادارة الازمة (هدنة , مفاوضات , حفض تصعيد ,شجب , مساعدات , بيانات ) وفيما بعد كل تلك السياسات فان الواقع يعود كما سابقه ( فالمستوطنات تتوسع , والاراضي تقضم , والواقع على الارض ما زال يتغير , وسمح له بالترسخ , لذلك فقد ربط جلالته ما بين غزة والضفة الغربية, بحيث دعا الى التعامل معهما كوحدة واحدة, فالرسالة واحدة لدينا وهذا ما قصده جلالته ...كأمة عربية وكاردن " قيام الدولة الفلسطينية " .
وتناول الخطاب الحديث عن القدس الشريف والمسيحين وذكر جلالته وبقوة اعتدنا عليه من جلالته كذب اسرائيل وادعائاتها في ان اليهوديه والمسيحية هما ضد الاسلام وذكر جلالته بان الامر على العكس تمام فالمسلمين والمسيحين في القدس يتعرضون لذات الاضطهاد الاسرائيلي ...وكان جلالته واضحا في ان من ظن بان اسرائيل ليست لديها رغبة في التوسع فهو واهن وهذه رسالة واضحة اراد جلالته من خلالها احقاق للحق . محطات اخرى..تناولها الخطاب .. اليمن , السودان , سوريا , لبنان , ايران , وذكر بان كل ازمة منها تلقي بتبعاتها على الاخرى (ازمة الطاقة ,اسعار الغذاء , حركة التجارة وما تبعها من تأثيرات على الاقتصاد والاستثمار وحتى الوقود وكلفة النقل كلها ارتفعت ).
واشار جلالته " فما نختار ان نوليه اهتمامنا اليوم يحدد اي نزاعات تحظى بجهود دبلوماسية مستدامة وكان جلالته يريد القول بان عالم اليوم منشغل بالقضية الايرانية وكأن القضية الفلسطينية لم توجد رغم مرور قرن ويزيد عليها , وقد تراجع الاهتمام بها الى هامش جدول الاعمال , حدد جلالته ما اذا كان وقف اطلاق النار في مكان ما , سيستمر بعد رحيل عدسة الكاميرا ( وقف اطلاق النار في غزة ) بينما كان هناك معاناة انسانية ...ستتحول بعد وقت الى امر مألوف عندها سيدير العالم ظهره ويرحل عنها .. وتقدم جلالته في هذا المقام بسؤال حيوي وهام "هل سيدوم انتباهنا بما يكفي للتصدي لهذه التحديات ؟." فما نهمله اليوم غالبا ما سيشكل مستقبلنا ".
وبنقطة هامة لدينا كاردن فقد تحدث جلالته عن جنوب سوريا وعن الوجود الاسرائيلي داخله وعن التوغلات في جبل الشيخ وبعض مناطق القنيطرة , وتحدث عن مسالة مياه حوض اليرموك التي يحاول الاحتلال سرقتها , مشيرا جلالته الى هذا الموضوع هو مسألة امن مائي اردني , واذا ما كان الاردن يتعامل مع كل ذلك بدبلوماسية فان ذلك لا يعني باي صورة بانه ضعف .
ملفات هامة تعرض لها الخطاب تستحق من كل واحد منا قراءته بتمعن, حيث انه يشكل خارطة طريق لما نحن مقبلون عليه ,وخطاب جلالة الملك كان خطابا عالميا , وضح للجميع شكل العالم الذي نعيشه اليوم ..سياسات تكال بمكيالين , ويجري تطبيقها السياسات وفقا لحجم الدول وموقعها الدولي اي مدى قوتها ووضعها ضمن موازين القوى العالمية وتحالفاتها ......