شهد العالم خلال العقد الأخير تحولًا جذريًا في أنماط التواصل الاجتماعي نتيجة الانتشار الواسع لمنصات التواصل الاجتماعي، التي أصبحت جزءًا لا يتجزأ من الحياة اليومية، خاصة لدى فئة الشباب، وعلى الرغم من الدور الإيجابي الذي تؤديه هذه المنصات في تبادل المعرفة وتعزيز التواصل، إلا أن استخدامها غير المُنضبط أفرزَ العديد من الظواهر السلبية، وفي مقدمتها تراجع المنظومة القيمية لدى بعض الشباب، وظهور أنماط سلوكية تتعارض مع القيم الأخلاقية والاجتماعية السائدة.
إذ لم يعد الانحلال الأخلاقي يقتصر على السلوك الواقعي، بل أصبح يمتد إلى الفضاء الرقمي، حيث يسهم السعي وراء الشهرة وعدد المتابعين في دفع بعض المستخدمين إلى تقديم محتوى قائم على الإثارة أو الإساءة أو انتهاك الخصوصية أو الترويج لسلوكيات غير مسؤولة. ومع تكرار مشاهدة هذا النوع من المحتوى، قد ينظر إليه بعض الشباب بوصفه أمراً طبيعياً أو مقبولاً، وهو ما يمثل تحدياً حقيقياً أمام الأسرة والمؤسسات التربوية.
وتكمن خطورة وسائل التواصل الاجتماعي في أن خوارزميات المنصات تعطي أولوية للمحتوى الأكثر جذباً للتفاعل، بغض النظر عن قيمته الأخلاقية أو التربوية، وبالتالي، فإن المحتوى المثير للجدل أو الصادم ينتشر بسرعة أكبر من المحتوى الهادف، الأمر الذي يجعل الشباب أكثر عرضةً لتبني سلوكيات أو أفكار قد لا تتوافق مع ثقافة المجتمع وقيمه.
ولا يمكن تحميل وسائل التواصل الاجتماعي وحدها مسؤولية هذه الظاهرة، فضعف الرقابة الأسرية، وقلة الوعي الرقمي، وغياب الحوار داخل الأسرة، إضافة إلى التأثر بالمؤثرين وصُناع المحتوى، كلها عوامل تتداخل لتشكل بيئة تسمح بانتشار هذه السلوكيات، كما أن الفراغ، والرغبة في لفت الانتباه، والحصول على القبول الاجتماعي،أو الدعم المادي تدفع بعض الشباب إلى تقليد ما يشاهدونه دون إدراك للعواقب.
ومن وجهة نظري، فإن أخطر ما أنتجته وسائل التواصل الاجتماعي ليس فقط انتشار بعض السلوكيات غير الأخلاقية، وإنما إعادة تشكيل مفهوم النجاح لدى كثير من الشباب، بحيث أصبح عدد الإعجابات والمتابعين معياراً للإنجاز، حتى وإن كان المحتوى المُقدم يفتقر إلى القيمة أو يتعارض مع المبادئ الأخلاقية.
إن مواجهة هذه الظاهرة لا تتحقق من خلال منع استخدام وسائل التواصل الاجتماعي، وإنما من خلال بناء وعي رقمي لدى الشباب، وتعزيز دور الأسرة في الحوار والتوجيه، وتفعيل دور المؤسسات التعليمية في غرس القيم، وتشجيع إنتاج محتوى هادف يقدم نماذج إيجابية تستحق أن تكون محل اهتمام ومتابعة.
وفي الختام، ستظل وسائل التواصل الاجتماعي أداة ذات تأثير كبير في تشكيل أفكار وسلوكيات الأفراد، ويبقى التحدي الحقيقي في كيفية توظيفها لخدمة المجتمع، بحيث تكون وسيلة لبناء الإنسان وتعزيز القيم، لا سبباً في تراجعها.