لطالما كنت وما زلت من محبي مهرجان_جرش، وأراه أحد أهم الأحداث الثقافية الأردنية، وإرثًا وطنيًا نفتخر به، بل ومن أفضل الفعاليات الثقافية على المستوى الأردني والعربي. وأؤمن بأن لديه مستقبلًا كبيرًا، ليس ثقافيًا فقط، بل أيضًا اجتماعيًا واقتصاديًا، إذا ما استُثمر بالشكل الصحيح.
في كل عام أجد نفسي أدافع عن المهرجان وأحاول تصحيح الصورة النمطية التي صنعتها الشائعات والاتهامات التي تروجها بعض الجهات، والتي رسمت صورة مشوهة عنه، بعيدة كل البعد عن الواقع. فالمهرجان، لمن يزوره، يتميز بمستوى عالٍ من التنظيم، والأمان، والاحترام، والرقي، وهي أمور قد يصعب أن تجدها مجتمعة في كثير من الفعاليات الأخرى.
هذا العام كان واضحًا أن هناك نقلة نوعية تستحق التقدير. البداية كانت بالخطوة الجريئة في تجديد الشعار والهوية البصرية للمهرجان، وهي خطوة تُحسب للإدارة، رغم ملاحظاتي على بعض عناصر الهوية التي أعتقد أنه كان بالإمكان تطويرها بشكل أفضل.
أما على أرض الواقع، فقد شهد المهرجان تطورًا لافتًا في البنية التحتية والتنظيم، بدءًا من تحسين مسارات الحركة، والاهتمام بعناصر السلامة العامة، وصولًا إلى الاستثمار الأفضل لمعالم مدينة جرش. وأكثر ما لفت انتباهي ساحة الهيبودروم، التي تحولت إلى مساحة نابضة بالحياة والجمال، رغم أنها لم تكن تاريخيًا جزءًا أساسيًا من فعاليات المهرجان. كما أن الإضاءة هذا العام أضفت سحرًا خاصًا على المدينة، وأبرزت جمالها الأثري بطريقة تستحق الإشادة.
ورغم هذا التطور، بقيت هناك ملاحظة أعتقد أنها تستحق الوقوف عندها، وهي ضعف مشاركة شباب محافظة جرش في فرص العمل والتنظيم. فمن الواضح أن جزءًا كبيرًا من الأعمال أوكل إلى شركات خاصة، وكان من الممكن، بل ومن الواجب، إلزام هذه الشركات بتخصيص نسبة من فرص العمل لأبناء المحافظة. فهذا ليس مطلبًا محاصصاتيًا، بل نهج تنموي معمول به في كثير من المشاريع، ويمنح الشباب شعورًا بأن المهرجان لهم، وأنهم جزء من نجاحه، دون أن يمنع ذلك مشاركة الآخرين.
كما أرى أن مشاركة أبناء جرش يجب ألا تقتصر على الوظائف المؤقتة، بل تمتد إلى المواقع القيادية والتنظيمية، وإلى الحضور الثقافي والفني، من خلال إشراك المثقفين والشعراء والفنانين وأصحاب الخبرة من أبناء المحافظة. فبناء قدرات أهل المكان هو الضمان الحقيقي لاستدامة المهرجان وتطوره، وهم الأقدر على حمل هذا الإرث والبناء عليه طوال العام، وليس خلال عشرة أيام فقط.
ويبقى السؤال الأهم: كيف نجعل مهرجان جرش نقطة انطلاق لتنمية مستدامة في المدينة، بدل أن يبقى فعالية موسمية تنتهي بانتهاء أيامه؟ كيف يمكن أن ينعكس أثره على الاقتصاد المحلي، والشباب، والثقافة، والسياحة، بحيث يشعر كل جرشي بأن المهرجان يترك أثرًا حقيقيًا في حياته؟
بالنهاية، ومن باب شهادة الحق، فإن مهرجان جرش هذا العام شهد تطورًا إيجابيًا واضحًا يستحق الإشادة والشكر لكل من ساهم فيه. وفي الوقت نفسه، ما زال أمامنا عمل كبير لتعزيز مشاركة الشباب، وإعطاء النخب الثقافية الجرشية دورًا أكبر في صناعة هذا الحدث.
فالمهرجان ليس مجرد فعالية فنية، بل هو أهم نافذة تُعرّف الناس بمدينة جرش، وفرصة حقيقية يجب أن تتحول إلى مشروع تنموي يشارك فيه المجتمع المحلي بكل فئاته، ويكون أثره حاضرًا طوال العام، لا لعشرة أيام فقط.