انطلق مهرجان جرش في دورته الأربعين من المدرج الشمالي، ليقدم سيمفونية أردنية بامتياز. أراه كما هو، لا كما يراه البعض؛ فلم يكن مجرد لوحة، أو قصيدة، أو رقصة، أو مسرحية، أو أضواء، أو حتى مكاسب شخصية، بل كان حكاية وطن، وتجسيدًا لوجود الإنسان، وإرثًا يتجدد، وإنسانًا ينحت حكايته على حجارة لا تعرف الجمود.
إنها حكاية تستحق أن يخلدها التاريخ، وأن تُروى بكل فخر واعتزاز؛ حكاية قيادة راسخة، وإدارة امتلكت الرؤية والقدرة، ورجال ظل يجمعون بين خيال الشعراء، وسواعد الفلاحين، وجندية التضحية والعطاء، فصانوا الأمانة، ومهدوا للناس سبل الراحة والاستمتاع.
نعم، انطلق المهرجان من بين ألغام زُرعت منذ زمن، وما تزال تتجدد مع كل شعلة تضيء سماء جرش، لكنها لا تزيده إلا إشراقًا، فتحرق نار الكراهية، وتشعل شموع المحبة والعطاء.
إن إدارة المهرجان ليست من الأنبياء، فالخطأ وارد في عمل البشر، ولكننا في هذا العام رأينا ما يسر الخاطر من حرص على تقديم الأفضل والأجود. وكان من أبرز مظاهر النجاح إعادة تفعيل اللجنة الثقافية المحلية، وإشراك الهيئات الثقافية في محافظة جرش في أكثر من خمس فعاليات لتصل المجتمع الجرشي إلى حيث اماكنهم ، وهو خير دليل على نجاح الإدارة في تفعيل دور أبناء المحافظة. كما كان لبلدية جرش حضورها الفاعل من خلال تشغيل كوادرها وموظفيها وعمالها، بما أسهم في إنجاح هذه التظاهرة الوطنية.
ومع ذلك، فإننا نحتاج إلى صدق الكلمة، وحفظ الأمانة في القول والفعل. وأتساءل: لماذا هذا الصمت المطبق من بعض المثقفين المشاركين وجيش الإعلام العامل في المهرجان، وكذلك من الجهات المشاركة في معارض الرسم والصناعات الحرفية؟ أم أن وراء الأكمة ما وراءها؟
نعم، إن الواقع مرير، والظروف في الداخل والخارج معقدة، لكن معالجة تلك التحديات لا تكون بإطفاء شمعة مهرجان جرش أو بإيقاف فعالياته.
فإذا كان الظلام دامسًا، فدعوا تلك الشمعة تضيء، ولو قليلًا، لعلها تصبح سراجًا ينير ليل الغد.