من المؤلم أن ينسى الإنسان إسماً، أو وجهاً، أو موعداً… لكن الألم الحقيقي يبدأ حينما ينسى الإنسان موقفاً كان سبباً في انتشاله من ضيق، أو تخفيف ألماً قد أصابه، أو فتح باب كان قد أغلق في وجهه…فالمواقف ليست أحداثاً عابرة، بل بصمات تبقى في أعماق النفوس، ولا يمحوها الزمن إلا إذا مات الوفاء في القلب…والغريب أن بعض الناس يملكون ذاكرةً حديدية عندما يتعلق الأمر بما قدموه للآخرين، فلا يغيب عن أذهانهم معروف صغير، ولا خدمة عابرة، وكأنهم يحتفظون بدفتر حساب لا يسقط منه شيء، ولكن هذه الذاكرة نفسها تصاب بفقدان مفاجئ حين يتعلق الأمر بما تم تقديمه لهم، فتختفي المواقف، وتتلاشى الأيادي البيضاء، وكأنها لم تكن.
ولعل أخطر أنواع الجحود أن يعيد البعض كتابة التاريخ بما يخدم صورتهم، فيصورون أنفسهم أنهم وصلوا وحدهم، ونجحوا وحدهم، ونهضوا دون أن يسندهم أحد….ينسون أن خلف كل نجاح أيادي امتدت، وأشخاصاً ضحوا بوقتهم وجهدهم، وربما بسمعتهم، ليقفوا معهم في لحظات لم يكن يقف معهم فيها أحد.
وهنا أود التنويه بأنه ليس المقصود من تذكير الناس بمواقفهم أن نبقيهم أسرى للجميل….فلا ممنة بالمعروف،لكن الاعتراف بالفضل خلق، وحفظ المواقف وفاء، والوفاء من شيم الكبار، أما الجحود فلا يغير حقيقة المعروف، بل يكشف حقيقة صاحبه…..وليعلم أصحاب المواقف النبيلة أن الخير لا يفقد قيمته لأن أحداً أنكره، وأن الشمس لا تتوقف عن الإشراق لأن أعمى لم يرى نورها…..اصنع المعروف لأنه يشبهك، لا لأنه سيكافأ….وقف مع الناس لأن هذا هو مبدأك، لا لأنك تنتظر منهم رداً أو ثناء.
ختامًا… لا تحزن إذا وجدت من دفن مواقفك في ذاكرته، فالمواقف لا تمحى من حقيقتها، وإنما قد تموت في ذاكرة البعض….أما في ميزان الأخلاق، فإنها تبقى شاهدة على أصحابها، ترفع أهل الوفاء، وتفضح أهل الجحود، ولو بعد حين.