تُعدّ الجلوة العشائرية واحدة من أعرق الأعراف والممارسات في المجتمع الأردني؛ إذ نُظِّمَت تاريخياً كآلية اجتماعية لدرء الفتنة، وحقن الدماء، وتجنب صولات الثأر والمواجهات المسلحة بين أفراد العشائر عند وقوع الجرائم الكبرى، وتحديداً في قضايا القتل والعرض. وفي الأعراف العشائرية القديمة، كان نطاق الجلوة يتسع ليملأ مساحات واسعة من أقارب الجاني؛ حيث كانت تُحسب بناءً على درجة القرابة والعصبة لتصل في بعض الأحيان إلى الجد الخامس تحت مسمى جلوة "ما يمد ويهد"، والتي تشمل مئات الأشخاص من أقارب القاتل، مروراً بجلوة الجد الرابع والثالث، وصولاً إلى اقتصارها تدريجياً على نطاق أضيق.
غير أن التحول الجذري في طبيعة الحياة في الأردن—من النمط البدوي القائم على سكنى بيوت الشعر وسهولة الترحال والتنقل، إلى استقرار الدولة المدنية الحديثة القائمة على بيوت الثبات، والوظائف، والمؤسسات—جعل من الجلوة العشائرية أداةً يترتب عليها أضرار جسيمة؛ فبعد أن كانت وسيلة حماية للأرواح، تحولت في العصر الحديث إلى عقوبة جماعية طالت الأبرياء الذين لا ذنب لهم، ومست بمبادئ الدستور الأردني الذي ينص صراحة على شخصية العقوبة. وقد أدى هذا التهجير القسري إلى آثار اجتماعية ونفسية واقتصادية كارثية؛ تمثلت في اقتلاع العائلات من بيئاتها، وفقدان أرباب الأسرة لأعمالهم ومصادر رزقهم، فضلاً عن الأثر البالغ على طلبة المدارس والجامعات الذين أُجبروا على ترك مؤسساتهم التعليمية والتأخر عن ركب حياتهم الأكاديمية والمستقبلية.
ولمواجهة هذه التحديات، شهدت الآونة الأخيرة حراكاً وطنياً واسعاً ومشاروات مستمرة بين مستشارية جلالة الملك لشؤون العشائر، ووزارة الداخلية، وشيوخ ووجهاء العشائر الأردنية. وقد أثمر هذا الحراك عن التوافق على تنظيم الجلوة العشائرية وتحديد نطاقها المباشر ليكون على مستوى "دفتر العائلة" فقط—أي باقتصارها على القاتل وأبنائه ووالده—الأمر الذي خفف جزءاً كبيراً من الأعباء العشائرية عن باقي الأقارب. ومع ذلك، ينبغي التأكيد على أن الحل الجذر والاستدام لمشكلة الجلوة يتطلب الذهاب إلى ما هو أبعد من مجرد تقليص نطاقها؛ إذ يتطلب الأمر تفعيلاً كاملاً لمفهوم دولة القانون والمؤسسات.
وتتجلى هذه الحماية التنظيمية والضبط الأمني بدءاً من اللحظات الأولى لوقوع أي جريمة قتل في أي موقع من المجتمع الأردني، من خلال "العطوة الأمنية" التي يتم أخذها فوراً بوساطة الضابطة العدلية ورجال الأمن العام وتُمنح لمدة ثلاثة أيام؛ حيث تشكل هذه العطوة الأداة الإجرائية الاحترازية العاجلة لتهدئة النفوس، وحفظ الأمن والنظام العام، وإعطاء الأجهزة الأمنية والقضائية المساحة اللازمة لإلقاء القبض على القاتل والمباشرة في التحقيقات دون إتاحة المجال لردود الفعل الانتقامية.
إن من أبرز أسباب استمرار أزمة الجلوة وتكرار الجرائم يكمن في التأخر أو التراخي في تنفيذ أحكام القضاء القطعية، ولا سيما عقوبة الإعدام بحق مرتكبي جرائم القتل البشعة، وذلك بمسايرة بعض الاتفاقيات الدولية التي تدعو لإيقافها؛ وهو ما يولّد لدى أهل المجني عليه شعوراً بغياب العدالة الناجزة ويدفعهم للمطالبة بالجلوة وتغليظها. ومن هنا، فإن الرادع الحقيقي لكل من تسول له نفسه ارتكاب أية جريمة يبدأ من تطبيق سيادة القانون بحزم وعدالة؛ فالقانون يجب أن يكون كالموت لا يفرق بين أحد، وأن تُنفّذ الأحكام القضائية الصادرة عن المحاكم المختصة فور اكتسابها الدرجة القطعية دون تردد.
وإلى جانب ذلك، يجب العمل على تفعيل نظام الكفيل العشائري وإعطائه دوراً فاعلاً وصلاحيات حقيقية لضبط أطراف النزاع، وإلزام أهل المجني عليه بعدم الاعتداء على الأبرياء من ذوي الجاني. إن حماية أمن المجتمع الأردني واستقراره تتطلب الموازنة بين إنفاذ العدالة القضائية الناجزة بحق الجاني وحده، وبين ترسيخ وعي يصون حقوق الأبرياء ويمنع تحويل العرف العشائري إلى عقوبة جماعية تمس أمن الوطن واستقراره.