هل تحولت المادة (25) من قانون الجرائم الإلكترونية إلى سيف يُطوق الاستثمار والإعلام الرقمي في الأردن ، يسعدنا في موقعنا أن ننشر هذا التحليل القانوني الجريء والمعمق بقلم المحامي والباحث القانوني محمد ياسر العطار، والذي يفكك فيه بنقد إيجابي بناء أبعاد المادة (25) من قانون رقم 17 لسنة 2023 . يستعرض الكاتب بلغة الأرقام الواقع الصادم الذي دفع 80% من المواقع لتعطيل خاصية التعليقات مبيناً كيف أنشأ النص ( مسؤولية مفترضة ) تعاقب على استحالة مادية وتصطدم بمبدأ شخصية العقوبة . وبدلاً من الوقوف عند حدود التشخيص ، يضع المحامي العطار مقارنة تشريعية رصينة مع دول الجوار كالإمارات ومصر، ليقدم مبادرة إنقاذية ومقترحاً صريحاً لنص بديل أمام المشرع ومجلس الأمة الموقر، يوازن بعدالة بين ضبط الجريمة وصون الحريات ودعم الاقتصاد الرقمي .
نترككم مع تفاصيل المقال الكاملة والمقاربة التشريعية المبتكرة...
مـسـؤولـيـة مـفـتـرضـة أم عـقـوبـة ظـالـمـة
تـفـكـيـك نص الـمـادة 25 من قـانـون الـجـرائـم الالـكـتـرونـيـه
شهدت المنظومة التشريعية الأردنية قفزة نوعية بصدور قانون الجرائم الإلكترونية رقم 17 لسنة 2023 لضبط الفضاء الرقمي المتسارع . إلا أن المشرع ومع شديد الاحترام والتقدير، وفي محاولته لسد الثغرات استحدث أحكاماً خرجت عن القواعد العامة المستقرة في الفقه الجنائي ، وتجلى ذلك في نص المادة 25 من القانون . هذه المادة لم تكتفِ بمعاقبة الفاعل الأصلي للجريمة ، بل مدت حبال المسؤولية لتطوق عنق المسؤول عن الإدارة الفعلية للموقع أو المنصة ، وتحمله عقوبة جريمة اقترفها الغير، عبر التعليقات والمشاركات وهنا تكمن خطورة النص في تأسيسه لـ ( مسؤولية مفترضة ) غير عادلة ، تقفز فوق ركن القصد الجرمي ، وتصطدم مباشرة بمبدأ دستوري وجنائي راسخ ومقدس وهو شخصية العقوبة . فكيف يمكن تحميل مدير منصة إخبارية أو تجارية وزر تعليق كُتب في ثانية واحدة من شخص مجهول الهوية ، وما هي البدائل التي أغفلها المشرع الأردني مع شديد الاحترام والتقدير، وتبنتها قوانين عربية مقارنة لحماية بيئة الاستثمار الرقمي دون الإخلال بضبط الجريمة ، هذا ما يسلط المقال عليه الضوء . أولاً : خرق مبدأ (شخصية العقوبة) واستحالة الرقابة ، تُجمع القواعد العامة في القانون الجزائي الأردني المستندة إلى الدستور على أن العقوبة شخصية فلا يُسأل شخص عن جريمة ارتكبها غيره ما لم يثبت اشتراكه الجرمي بالتحريض أو المساعدة بشتى صورها ومسمياتها القانونيه .غير أن المادة 25 قفزت فوقها ، وأنشأت ما يُعرف بـ المسؤولية التقصيرية المفترضة في حقل جزائي حيث تعاقب مدير المنصة بعقوبة الفاعل الأصلي بمجرد وجود التعليق المخالف . هذا التوجه التشريعي ومع كل الاحترام والتقدير ، ينطوي على عيوب جسيمه ،
( فأنا دائما مع النقد الايجابي البناء الذي يخدم وطني وابناؤه ) ، افتراض القصد الجرمي : الجرائم الإلكترونية جريمه عمدية تتطلب اتجاه الإرادة والعلم (الركن المعنوي) والمادة الحالية تفرض عقوبة الحبس دون إثبات علم مدير الموقع بالتعليق أو رضاه عنه . بمعنى عقوبة على ( استحالة مادية ) : تتلقى المواقع الإخبارية والصفحات الكبرى آلاف التعليقات يومياً ، وتُعد المراقبة البشرية اللحظية لها أمراً مستحيلاً تطبيقياً ، وبالتالي فإن النص يعاقب الأفراد على عدم تحقيق نتيجة مستحيلة ماديّاً . ثانياً : الأثر الاقتصادي والمهني على البيئة الاستثمارية والصحفية لم تكن أضرار المادة 25 قانونية فحسب ، بل امتدت لتشكل طعنة اقتصادية ومهنية لقطاع الإعلام الرقمي والاستثمار في المملكة ، وهو ما تؤكده لغة الأرقام والواقع : اغتيال بيئة التفاعل : تفرض خوارزميات منصات التواصل ترتيباً أعلى للمواقع النشطة تفاعلياً . وخوفاً من الملاحقة ، اضطرت أكثر من 80% من المواقع الإخبارية والصفحات التجارية الأردنية إلى إغلاق خاصية التعليقات نهائياً ، مما تسبب في تراجع حاد لنسب المشاهدة تجاوزت 40% في بعض المؤسسات ، وتبعه تراجع مباشر في عوائد الإعلانات الرقمية . تهديد الاستثمار والريادة : إن جعل المستثمر أو صاحب شركة التقنية مهدداً بالحبس بسبب فعل الغير يطرد الاستثمار الرقمي خارج الأردن ، فالمستثمر يبحث عن بيئة تشريعية آمنة . تحول الصحافة إلى ( رقيب أمني ) : بدلاً من التركيز على جودة المحتوى والسبق الصحفي ، تحول جهد الكوادر التحريرية إلى وظيفة (رقيب تعليقات ) على مدار الساعة ، مما استنزف طاقات المؤسسات مالياً وبشرياً . ثالثاً : الملاذ الآمن غائب أردنياً.. ومحاور القوانين العربية تُنصف التقنية ، لم يقف الجسم الصحفي الأردني ممثلاً بنقابة الصحفيين ومؤسسات المجتمع المدني كمركز حماية وحرية الصحفيين صامتاً، بل أجمعت التقارير على أن المادة 25 تشكل (سيفاً مصلتاً ) على الحريات وطالبت بمراجعتها . وعند التطلع إلى الجوار العربي ، نجد أن مشرعي دول كالإمارات ومصر كانوا أكثر مرونة بالطبيعة التقنية للمنصات : في مصر (قانون 180 لسنة 2018) : لا يُجرّم صاحب المنصة مباشرة عن تعليق الغير، بل يتم إخطاره من قِبل المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام لحذف المخالفة ، وتتدرج العقوبة من الإنذار إلى الغرامة الإدارية أو الحجب المؤقت ، ولا تتحول إلى عقوبة جنائية إلا في حال الامتناع العمدي التام . في الإمارات (مرسوم بقانون 34 لسنة 2021) : يطبق القضاء مفهوم (الملاذ الآمن) المستمد من التشريعات العالمية ، فلا يثبت القصد الجرمي بحق مدير المنصة إلا إذا ثبت علمه اليقيني والفعلي بالمحتوى المخالف وموافقته عليه صراحة أو ضمناً ، أو تخلفه العمدي عن حذفه بعد إخطاره رسمياً . اختم مقالي بمقاربة علاجية : استحداث نص بديل لإنقاذ الاستثمار الرقمي ، إن حماية المجتمع من الجرائم الإلكترونية لا ينبغي أن تتم على حساب هدم المبادئ الدستورية وتدمير المؤسسات الإعلامية والاستثمارية الرقمية . والحل لا يكمن في إغلاق نوافذ الحوار، بل في تنظيمها بعدالة . بناءً على ذلك ، نضع أمام المشرع الأردني الموقر الذي نكن له كل الاحترام والتقدير ، ومجلس الأمة مقترحاً لتعديل المادة 25 يوازن بين الردع والمنطق التقني :
المادة 25 (نص مقترح بديل) : أ- لا يُسأل جزائياً المسؤول عن الإدارة الفعلية للموقع الإلكتروني أو المنصة أو الحساب أو الصفحة العامة عن المحتوى غير القانوني أو التعليقات التي ينشرها الغير، إلا إذا ثبت علمه الفعلي بالمحتوى المخالف وموافقته عليه صراحةً أو ضمناً . ب- تُعفى الحسابات والصفحات الشخصية والتجارية والإعلامية من المسؤولية الجزائية المنصوص عليها في هذا القانون عن محتوى الغير، إذا بادرت إلى إزالة المحتوى المخالف أو حجب الدخول إليه خلال أربع وعشرين ساعة من تاريخ إخطارها بوجود المخالفة من قبل المتضرر أو الجهات المختصة . ج- يُعفى المسؤول عن الإدارة الفعلية من المسؤولية إذا أثبت اتخاذه التدابير والوسائل التقنية المعقولة والمعتادة ، كالفلاتر التلقائية وحظر الكلمات النابية لمنع نشر المحتويات المخالفة . بهذا التعديل يعود القانون إلى جادة الصواب الدستوري ، ويتحول من أداة تقييد وترهيب مالي للمواقع الإخبارية ، إلى تشريع متوازن يحمي الحقوق ، يصون الحريات ، ويدعم الاقتصاد الرقمي الأردني . وإنني إذ أضع هذا المقترح أمام أصحاب القرار، فإنني أنطلق من مسؤولية وطنية راسخة تبتغي رفعة الأردن وحماية منجزاته الرقمية والقانونية . فالنقد الإيجابي البناء كان وسيظل دائماً رافعة للبناء والتمكين ، يخدم الوطن وأبناءه ، ويضمن أن تسير عجلة التطور التقني والتشريعي جنباً إلى جنب دون مساس بالعدالة أو الدستور .