2026-07-22 - الأربعاء
ارتفاع أسعار الذهب محليا.. عيار 21 يسجل 85.20 ديناراً رئيس وزراء جمهورية غينيا يستقبل السفير المصرى العميد بشار الهباهبة يلتقي متقاعدين عسكريين في مديرية شرطة وسط عمّان ويؤكد أهمية التواصل معهم إيناس محمد تجمع بين العمل الإنساني وبريق الموضة في زيارة ناجحة إلى مصر ارتفاع أسعار النفط بنحو 3 بالمئة وخام برنت يتجاوز 93 دولارا للبرميل متحف اللوفر في باريس يعيد فتح قاعة أبولو بعد حادثة سرقة المجوهرات الملكية الجامعة العربية تدين الدعوات التحريضية لاقتحام الأقصى المبارك وتحذر من تداعياتها مؤشر الأسهم السعودية يغلق على ارتفاع مانشستر سيتي يمدد عقد اللاعب الإنجليزي فيل فودين حتى 2030 الاحتلال يعتقل فلسطينيا في القدس المحتلة ومستوطنون يستولون على منزل جنوبي نابلس الباشا العبادي يكتب رفيق السلاح تركيا تستهدف رفع التبادل التجاري مع سوريا إلى 10 مليارات دولار تسهيلات جديدة للمستثمرين ورجال الأعمال السوريين - تفاصيل حدث بالفعل.. ثنائي إسبانيا يجني «الطماطم» مكافأة المونديال محافظ مادبا حسن الجبور ومدير الشرطة يزوران غرفة التجارة لبحث دعم القطاع التجاري وتعزيز بيئة الاستثمار افتتاح الدورة الأربعين لمهرجان جرش تحت الرعاية الملكية السامية... احتفاء بأربعة عقود من الإبداع والثقافة صحيفة أمريكية: صواريخ إيران قوة لا يستهان بها توقيف إسرائيليين حاولوا اجتياز الحدود إلى سورية عبر منطقة جبل الشيخ تامر فرج وإلهام وجدي في لجنة تحكيم مسابقة ملكة جمال مصر 2026 محافظ إربد يتفقد مشروع إعادة تأهيل أرضية ستاد الحسن الدولي ويؤكد أهمية إنجازه وفق البرنامج الزمني
وفيات الأردن اليوم الأربعاء 22-7-2026 وفاة الشاب زياد سعد عبدالنجي اليعقوب العدوان وفيات الأردن اليوم الثلاثاء 21-7-2026 النصيرات ينعى المقدم المتقاعد سميح نور جنكات أحد مؤسسي القفز الحر الأردني المواجدة تنعى المرحوم الحاج جمال عبدالحميد المواجدة وفاة والدة الزميل هيثم يوسف وفيات الأردن اليوم الأحد 19-7-2026 وفاة والد زوجة الدكتور أحمد عبدالعزيز سندي.. والصلاة عليه بالمسجد الحرام وفاة المحافظ السابق في وزارة الداخلية جمال المومني الحاج محمد عبدالله الدروع "ابو عبدالله" في ذمة الله سلطان إبراهيم القلاب:- يستذكر والده في ذكرى رحيله. وفاة الحاجة سهيلا حسن سالم السحيمات (أم لؤي) وتشييع جثمانها اليوم في الكرك شكر على التعازي من قبيلة بني صخر وفيات الأردن اليوم السبت 18-7-2026 وفاة محمد ذيب أحمد العواملة (أبو أحمد) والصلاة عليه بعد صلاة الجمعة وفاة المعلم. محمد أحمد السعود من لواء الجامعة وفاة المحامي عطا علي عقله الصاروم الفريق الركن المتقاعد غازي الطيب ينعى الشيخ الحاج عبدالمهدي المعايعة ويعزي الدكتور يزن المعايعة وفيات الأردن اليوم الخميس 16-7-2026 وفاة الحاجة حورية عبد الهادي الحمد السعايدة (أم طارق)

البرماوي يكتب جغرافيا الرموز وبقاء الهوية: البلقان من محنة الإقصاء إلى آفاق الصمود والدور الأردني الهاشمي

{clean_title}
نيروز الإخبارية :

بقلم: الأستاذ الدكتور حسن عبد الله البرماوي

تقف جغرافيا البلقان، عبر تاريخها الممتد، شاهدةً على واحدة من أعقد المواجهات الثقافية والحضارية في التاريخ الحديث، حيث تحولت التضاريس والقمم الجبلية في تلك البلاد من معالم طبيعية إلى ساحات مفتوحة لصراع الهوية وإثبات النفوذ؛ إذ إن محاولات فرض الرموز الدينية والمجسمات الإسمنتية والحديدية العملاقة فوق قمم الجبال المطلة على المدن والحواضر الإسلامية، كالتلال الشاهقة المحيطة بسراييفو وموستار، لم تكن مجرد ممارسات عفوية، بل هي "هندسة بصرية" ممنهجة وسياسة تسعى بوضوح إلى إعادة صياغة هوية الأرض بالإكراه الثقافي، وفرض واقع مرئي جديد يمحو الذاكرة التاريخية للمنطقة ويحجب شواهد الوجود الحضاري الإسلامي المستمر منذ قرون؛ في بقعة جغرافية محددة المعالم تمتد اليوم على مساحة تبلغ نحو 51,129 (واحد وخمسين ألفاً ومائة وتسعة وعشرين) كيلومتراً مربعاً في قلب شبه جزيرة البلقان، بطبيعتها الجبلية الوعرة ومنافذها المحدودة على البحر الأدرياتيكي، حيث تحيط بها حدود سياسية تربطها بكرواتيا من الشمال والغرب والجنوب الغربي، وبصربيا من الشرق، وجمهورية الجبل الأسود من الجنوب الشرقي، مما يجعل جغرافيتها السياسية نقطة تماس دائمة وثقيلة الإرث.
إن هذا السلوك الإقصائي لم يكن وليد حرب التسعينيات الفائتة فحسب، بل هو امتداد لتراث طويل وعميق عانت منه مختلف دول البلقان في محطات تاريخية متعاقبة، حيث تعرضت الهوية الإسلامية في تلك الأقاليم إلى حملات شرسة تجلت في تدمير آلاف المساجد والمآذن والمراكز الوقفية، وتهجير مئات الآلاف من المسلمين لإفراغ المدن من مكونها الأصيل؛ ويبرز في هذا السياق الرابط التاريخي العميق لما عاناه المسلمون في بلغاريا على يد الأنظمة الفاشية والديكتاتورية الشمولية المتعاقبة التي رأت في الوجود الإسلامي نقيضاً لمشروعها القومي الضيق، حيث شنت تلك الأنظمة حملات إقصائية عنيفة استهدفت محو شواهد العهد العثماني من الخارطة الأوروبية، فطمست المعالم الإسلامية التاريخية في العاصمة "صوفيا" وكافة الأراضي البلغارية، ولم يسلم من التدمير والتحويل سوى مسجد "بانياباشي" ليبقى شاهداً وحيداً وسط العاصمة، بينما حُوّلت وتأثرت بقية المساجد والمراكز الحضارية التي كانت تُعد بالعشرات والمئات. ولم تتوقف هذه الأنظمة الديكتاتورية عند تدمير الحجر، بل تجاوزته إلى ممارسة أشد أنواع الإقصاء البشري فظاعة من خلال فرض حملات "الاستيعاب القسري" وتغيير الأسماء الإسلامية للمواطنين المسلمين بالقوة والترهيب، وإجبارهم على اتخاذ أسماء أخرى لطمس هويتهم الروحية والاجتماعية، وصاحب ذلك عمليات تهجير قسرية جماعية طالت مئات الآلاف منهم نحو تركيا ودول الجوار، مما يقدم دليلاً واثقاً على أن المأساة كانت حلقة شاملة تستهدف الوجود الحضاري والديموغرافي الإسلامي في شبه جزيرة البلقان بأسرها.
وفي ذروة هذه المحنة الإنسانية والحضارية التي عصفت بجمهورية البوسنة والهرسك بين عامي 1992 (ألف وتسعمائة واثنين وتسعين) و1995 (ألف وتسعمائة وخمسة وتسعين)، تجلت وحشية العقلية الإقصائية في أبشع صورها عبر مجازر جماعية يندى لها جبين البشرية، حصدت أرواح أكثر من 100,000 (مائة ألف) مسلم بوسني، وكان ذروتها المأساوية مجزرة سربرنيتسا الشهيرة عام 1995 (ألف وتسعمائة وخمسة وتسعين) التي استشهد فيها وحدهـا أكثر من 8,000 (ثمانية آلاف) من الرجال والفتيان المسلمين في غضون أيام قليلة تحت سمع وبصر المجتمع الدولي، في محاولة صريحة لكسر إرادة هذا الشعب واقتلاعه من أرض آبائه وأجداده؛ وهي الجراح التي لا تزال آثارها واضحة على نسيجها الديموغرافي اليوم، حيث يبلغ عدد سكان البلاد حالياً ما يقارب 3.2 (ثلاثة ملايين ومائتي ألف) نسمة، وهو رقم يعكس تراجعاً عددياً ملحوظاً مقارنة بفترة ما قبل الحرب نتيجة للهجرات الخارجية الواسعة، ويتوزع هذا النسيج بين المكونات 3 (الثلاثة) الرئيسية حيث يشكل المسلمون (البشناق) الأغلبية بنسبة تتجاوز نصف إجمالي السكان بقليل، يليهم الصرب الأرثوذكس ثم الكروات الكاثوليك.
وأمام هذا التطهير العرقي الدموي والتهجير القسري، كان للمملكة الأردنية الهاشمية حضورها التاريخي الإنساني والسياسي المتميز، حيث هبّ الأردن، بقيادة جلالة المغفور له -الملك الحسين بن طلال، طيب الله ثراه-، لمد يد العون والمؤازرة للأشقاء في البوسنة والهرسك، فتحركت الدبلوماسية الأردنية في كافة المحافل الدولية والأممية تدافع عن حق البوسنيين في الحياة والسيادة، وتوجت هذه المواقف النبيلة بفتح أبواب الأردن بتوجيهات ملكية سامية لاستقبال العائلات البوسنية المهجرة والمهاجرة الفارة من أتون الحرب، وحظي هؤلاء المهاجرون برعاية هاشمية كريمة وأُحيطوا بكل أشكال الترحيب والأمان في وطنهم الثاني، بالتزامن مع الدور البطولي الذي سطرته سواعد ومؤسسات الجيش العربي الأردني عبر مشاركتها الوازنة في قوات حفظ السلام الدولية، لتقديم المساعدات الطبية والإنسانية وحماية الأبرياء وإعادة بناء ما دمرته آلة الحرب الإجرامية.
وقد استمر هذا العمق الروحي والسياسي وتطور في عهد جلالة الملك عبد الله الثاني بن الحسين، وتجسد برؤية هاشمية واثقة عندما قامت جلالة الملكة رانيا العبد الله بزيارة تاريخية إلى عاصمة البوسنة والهرسك "سراييفو" عام 2002 (ألفين واثنين)، لافتتاح *المركز الثقافي الإسلامي* هذا الصرح الذي حظي برعاية وإشراف أردني فاعل في جوانبه الثقافية والتعليمية عند التأسيس، وغدا منارة تجمع شباب البوسنة على قيم الوسطية والاعتدال والاندماج الإيجبي، ليكون شاهداً مادياً على الدعم الهاشمي لنهضة المجتمع البوسني وبناء مؤسساته التعليمية، بالتوازي مع العون الأردني المباشر والمساهمة النوعية في إعادة ترميم وحفظ "جسر موستار التاريخي" العريق ليعود معلماً شامخاً للتراث الإنساني العالمي. وتتويجاً لهذه العلاقات التاريخية الراسخة والروابط الدبلوماسية المتينة، فإن لجمهورية البوسنة والهرسك سفارة رسمية مقيمة ونشطة في العاصمة الأردنية عمان، ترعى المصالح المشتركة وتعمل كجسر اتصال حضاري واقتصادي متواصل بين البلدين الصديقين.
وقد أثمر هذا الصمود الأسطوري للشعب البوسني، المدعوم بمواقف الأشقاء المخلصين وفي مقدمتهم الأردن، عن صياغة واقع سياسي ودستوري معقد بموجب اتفاقية دايتون للسلام، حيث تدار البوسنة والهرسك اليوم بنظام حكم فريد من نوعه يقوم على رئاسة جماعية مجلسية تضم 3 (ثلاثة) أعضاء يمثلون المكونات الرئيسية البشناق والصرب والكروات، يتناوبون على منصب الرئاسة بصفة دورية لضمان التوازن السياسي والحفاظ على وحدة أراضي الدولة في إطار من التعددية، وهو النظام الذي يعيش في ظله الشعب البوسني اليوم حالة من الاستقرار الحذر الممزوج بالتحديات اليومية؛ فرغم نجاح البلاد في الحفاظ على السلم الأهلّي، إلا أن نسيج الحياة يقع تحت وطأة نظام إداري شديد التعقيد ومقسّم عرقياً يعيق وتيرة التنمية الاقتصادية الشاملة، ليعتمد المجتمع في عيشه الحالي على قطاعات الخدمات، والصناعات التحويلية، والتعدين، والسياحة المتنامية، وسط تحديات ملموسة تواجه الأجيال الشابة وتدفع ببعض الكفاءات نحو الهجرة، لكن مع تمسك صارم ومبهر من المكون المسلم بهويته وخصوصيته الحضارية.
إن العبرة البالغة والمستفادة من هذه الفصول التاريخية القاسية تتجاوز حدود الرصد التوثيقي المعاش، لتؤكد للقاصي والداني أن هوية الشعوب الحية وعقائدها الراسخة لا تذروها رياح الطغيان، ولا تُطمس بتبديل المظاهر البصرية أو زرع الشواهد القسرية في الفضاء العام؛ فمهما بلغت شدة المحن ومهما تطاولت مجسمات الحديد وركام الحجر فوق القمم، فإنها تظل عاجزة عن حجب الحقائق التاريخية أو خنق صوت المآذن الذي يسكن وجدان الأرض والإنسان، فالقوة الحقيقية لا تكمن في متانة الإسمنت وضخامة البناء، بل في عمق الوعي والتمسك بالجذور والخصوصية الحضارية التي أثبت مسلمو البلقان عبر الأجيال أنهم حراسها الأمناء، ليبقى نور الرسالة ودفء الهوية أقوى وأبقى من كيد العابرين وأوهام الإقصاء.