تُعد قضية طلبة برنامج "الجسيم” من أكثر القضايا تعقيدًا في منظومة التعليم العالي الأردنية، ليس لأنها تتعلق بحق الطلبة في التعليم، فهذا حق لا جدال فيه، وإنما بسبب تركز أعداد كبيرة منهم في جامعات رسمية محددة دون غيرها، الأمر الذي خلق اختلالًا في توزيع الأعباء المالية والأكاديمية بين الجامعات.
فبعض الجامعات، بحكم موقعها الجغرافي أو طبيعة توزيع القبول، تستقبل النسبة الأكبر من طلبة "الجسيم”، فتتحمل وحدها كلفًا مالية مرتفعة، وضغطًا على القاعات الدراسية والمختبرات، واستنزافًا للمرافق والخدمات، فضلًا عن زيادة العبء التدريسي والإداري، وهو ما ينعكس في نهاية المطاف على جودة العملية التعليمية وعلى قدرة هذه الجامعات على الوفاء بالتزاماتها المالية تجاه العاملين فيها.
ومن هنا، فإن معالجة المشكلة لا ينبغي أن تقتصر على البحث عن مصادر تمويل إضافية للجامعات المتضررة، وإنما تستوجب إعادة النظر في فلسفة تحمل الكلفة، انطلاقًا من أن برنامج "الجسيم” هو برنامج وطني، وبالتالي فإن مسؤوليته يجب أن تكون مسؤولية وطنية مشتركة، لا أن تتحملها جامعة أو جامعتان فقط.
ولعل أحد الحلول العملية يتمثل في إنشاء صندوق وطني خاص لتمويل دراسة طلبة "الجسيم”، تشارك في تمويله جميع الجامعات الأردنية، الرسمية وربما الخاصة أيضًا، كلٌ وفق معايير عادلة تراعي حجم الجامعة وإمكاناتها المالية وعدد طلبتها وإيراداتها.
وتقوم الفكرة على أن تتحمل كل جامعة نسبة محددة من كلفة تدريس طلبة "الجسيم”، بصرف النظر عن الجامعة التي يدرسون فيها. فإذا بلغ عدد المقبولين في البرنامج ألف طالب مثلًا، تُحتسب الكلفة الإجمالية لدراستهم، ثم توزع المساهمة المالية بين الجامعات وفق أسس واضحة وشفافة، وتودع في صندوق مستقل يتولى تسديد المستحقات للجامعات التي تستقبل هؤلاء الطلبة، من خلال نظام مقاصة مالي منظم.
وبهذه الآلية، لن تتحمل جامعة بعينها العبء كاملًا بسبب موقعها الجغرافي أو سياسات القبول، بل يصبح الجميع شركاء في تحمل المسؤولية، انسجامًا مع القاعدة التي تقول: "شريك الغنم شريك الغرم”. فكما تستفيد جميع الجامعات من استقرار منظومة التعليم العالي ونجاحها، فإن من الواجب أن تتشارك أيضًا في تحمل أعبائها.
كما أن هذا المقترح سيحقق جملة من الفوائد، من أبرزها:
* تحقيق العدالة بين الجامعات في توزيع الأعباء المالية.
* المحافظة على جودة التعليم في الجامعات التي تستقبل أعدادًا كبيرة من طلبة "الجسيم”.
* تمكين الجامعات المتضررة من الإيفاء بالتزاماتها المالية وعدم تأثر موازناتها التشغيلية.
* تعزيز روح التكامل والتضامن بين مؤسسات التعليم العالي بدلًا من ترك بعضها يواجه المشكلة منفردًا.
* إيجاد آلية مستدامة وشفافة لمعالجة القضية بعيدًا عن الحلول المؤقتة أو الترقيعية.
إن نجاح الجامعات الرسمية لا ينبغي أن يُنظر إليه باعتباره نجاحًا لمؤسسة بعينها، بل هو نجاح لمنظومة التعليم العالي الأردنية بأكملها. وإذا كان برنامج "الجسيم” يمثل التزامًا وطنيًا تجاه فئة من الطلبة، فإن تمويله يجب أن يكون التزامًا وطنيًا مشتركًا أيضًا، لأن استدامة الجامعات وحماية جودة التعليم مسؤولية جماعية، وليست مسؤولية جامعة واحدة أو اثنتين.
أرى أن هذه الفكرة يمكن أن تتحول إلى ورقة سياسات تُرفع إلى مجلس التعليم العالي، مع اقتراح أن تكون إدارة الصندوق تحت إشراف وزارة التعليم العالي، وأن تُحدد مساهمات الجامعات وفق معادلة واضحة تعتمد على حجم الموازنة وعدد الطلبة والطاقة الاستيعابية لكل جامعة، بما يضمن العدالة والاستدامة.