صادف بالأمس العشرين من تموز الذكرى الخامسة والسبعين لاستشهاد الملك المؤسس عبد الله الأول ابن الحسين ، وفي هذه الذكرى تتجدد في الذاكرة الوطنية القومية سيرة رجل عظيم نذر أيامه لرفعة أمته وتثبيت أركان نهضتها ، وهو المغفور له بإذن الله الملك المؤسس عبد الله الأول ابن الحسين ، الذي ترجل عن صهوة جواده شهيداً في أطهر بقاع الأرض دفاعاً عن كرامة الأمة وقضاياها العادلة وفي طليعتها القضية الفلسطينية والقدس الشريف .
المولد والنشأة والاصول الهاشمية :
وُلد الشريف عبد الله الأول في مكة المكرمة في شهر ربيع الأول سنة 1299 هجريّة ، الموافق لعام 1882م ، في كنف البيت الهاشمي العريق وتحديداً في ظل والده قائد الثورة العربية الكبرى الشريف الحسين بن علي ، حيث يعود نسبه الشريف إلى الأسرة الهاشمية ويتصل نسبه وسلالته بالنبي الكريم محمد صلى الله عليه وسلم . وقد نشأ وترعرع في بيئة سياسية وعسكرية رفيعة ، تلقى خلالها تعليمه المبكر في مكة المكرمة ثم انتقل إلى إسطنبول بحكم الموقع السياسي لوالده ، مما ساهم في صقل شخصيته القيادية الحكيمة ومهاراته الدبلوماسية الرفيعة منذ نعومة أظفاره ، وجعله قادراً على استشراف مستقبل الأمة بوعي وبصيرة نافذة .
دوره المحوري في الثورة العربية الكبرى :
لعب الملك المؤسس دوراً طليعياً وبارزاً إلى جانب والده الشريف الحسين بن علي في إطلاق وقيادة الثورة العربية الكبرى عام 1916م ، حيث قاد جيوش الثورة بحنكة واقتدار في محاور متعددة بهدف تخليص الشعوب العربية من نير الحكم العثماني وتحقيق حريتها واستقلالها ووحدتها المنشودة . لقد وضع هذا الدور الأساس الصلب لبلورة الهوية العربية الحديثة وترسيخ تطلعات الأمة في التحرر والبناء .
القدوم إلى شرق الأردن وتأسيس الإمارة :
في عام 1921م ، انطلق الأمير عبد الله برؤية استراتيجية ثاقبة وعزيمة صلبة فوصل إلى مدينة معان ومنها إلى عمّان ، حيث استقبله أبناء العشائر الأردنية الأوفياء بحرارة وترحاب واسعين معلنين التفافهم حول قيادته . وبفضل دهاء سياسي عميق وحنكة دبلوماسية نادرة ، نجح في تأسيس إمارة شرق الأردن ، مستطيعاً بناء دولة مؤسسات عصرية من رحم الصحراء الصعبة ، ومرتكزاً على مبادئ الحرية والاستقلال وبناء الجيش العربي الباسل ليكون حارساً أميناً لمكتسبات الوطن وأمته .
مسيرة الاستقلال الوطني ( 25 أيار 1946م ) :
تكللت الجهود السياسية والدبلوماسية المضنية التي قادها الملك المؤسس بنجاح تاريخي عظيم تمثل في إعلان استقلال البلاد رسمياً في 25 أيار 1946م ، حين أخذ المجلس التشريعي الأردني قراراً تاريخياً بإعلان البلاد مملكة مستقلة ذات سيادة تحت اسم المملكة الأردنية الهاشمية ، ومبايعة الأمير عبد الله الأول ملكاً دستورياً عليها ، ليرفع راية الاستقلال ويدخل الأردن عصراً جديداً من المئوية الأولى وما بعدها بخطى ثابتة ورؤية واثقة .
الدور الأدبي والنهضة الثقافية للملك المؤسس :
إلى جانب مكانته السياسية والقيادية الرفيعة ، عرف الملك المؤسس عبد الله الأول بأدبه الرفيع وقلمه السيال وشعره الرصين ، حيث ترك مؤلفات وبحوثاً قيمة ونصوصاً نثرية وشعرية تعكس عمق ثقافته ورؤيته الواسعة . ولم يكن قصر رغدان العامر مجرد مركز للحكم وإدارة الدولة ، بل كان منارة ثقافية وملتقى دافئاً يفتح أبوابه دوماً لأبرز الشعراء والأدباء والمفكرين العرب ، الذين وجدوا في رعايته وتشجيعه الدافع الكبير لإثراء الحركة الأدبية والفكرية في الأردن والمنطقة .
عراب القضية الفلسطينية وفارس القدس :
ارتبط الملك المؤسس برباط روحي وتاريخي وثيق ومقدس بفلسطين ودرتها القدس الشريف ، فلم تكن بالنسبة له مجرد قضية سياسية عابرة بل كانت عقيدة راسخة ووجعاً قومياً لم يتردد يوماً عن بذل الغالي والنفيس في نصرته . فقد قاد الجيش العربي الأردني في حرب 1948م للدفاع عن ثرى فلسطين والمقدسات ، وخاض معارك بطولية خالدة لحماية الهوية العربية للمدينة المقدسة ومنع تهويدها وضياعها ، وظلت القدس والأقصى حاضرتين في وجدانه حتى رمقه الأخير .
يوم الاستشهاد على أبواب المسجد الأقصى :
في العشرين من تموز عام 1951م الموافق 16 شوال سنة 1370 هجريّة ، وبينما كان الملك المؤسس يتأهب لأداء صلاة الجمعة المباركة في رحاب المسجد الأقصى الشريف بالقدس ، امتدت يد الغدر والخيانة لتغتاله أثناء تأديته لصلاة الجمعة ، ليختم مسيرته الحافلة بالإنجازات شهيداً على عتبات القبلة الأولى للمسلمين ، حاملاً هموم أمته ودمه الزكي وساماً أبدياً على صدر التاريخ . وقد تم نقل جثمانه الطاهر إلى الثرى الأردني ليتم دفنه في المقابر الملكية في قصر الرغدان العامر في مدينة عمّان . وقد ترأس حكومة المملكة في تلك المرحلة الحرجة دولة رئيس الوزراء توفيق أبو الهدى ، الذي أدار تداعيات الموقف بحزم ومسؤولية وطنية عالية . وبعد استشهاد الملك المؤسس ، استلم عرش المملكة الأردنية الهاشمية ابنه الأكبر الملك طلال بن عبد الله ، الذي كان قد عُين ولياً للعهد في عام 1947م ، ليتبوأ مقاليد الحكم مباشرة إثر استشهاد والده .
نص بيان النعي الرسمي الصادر عن مجلس الوزراء عام 1951م :
تخليداً لتلك اللحظات التاريخية الجليلة والمؤلمة ، وثّق بيان النعي الرسمي الصادر عن مجلس الوزراء الأردني برئاسة توفيق أبو الهدى تفاصيل الحدث الأليم :
" نعي : حضرة صاحب الجلالة الهاشمية الملك عبد الله بن الحسين المعظم ملك المملكة الأردنية الهاشمية .
ينعى مجلس الوزراء الى الشعب الأردني الكريم في المملكة الأردنية الهاشمية وإلى الأمة العربية الكريمة في جميع أقطارها وأمصارها وإلى العالم الاسلامي بمزيد الأسى واللوعة وفاة حضرة صاحب الجلالة الهاشمية المغفور له الملك عبدالله بن الحسين المعظم ملك المملكة الاردنية الهاشمية ، اذ اغتالته يد غادرة باطلاق الرصاص عليه بينما كان رحمه الله يدخل باب المسجد الاقصى المبارك لاداء صلاة الجمعة في الساعة الثانية عشرة إلا ربعاً من صباح هذا اليوم في مدينة القدس الشريف .
وقد فاضت روح جلالته الطاهرة الى بارئها فور اصابته بالرصاص بعد ان اجتاز باب المسجد المبارك من يد شخص مجهول كان مختبئاً وراء الباب في داخل المسجد ، وقد اطلق الحرس الخاص النار على القاتل فقتل في الحال ولم تُعرف هويته بعد ، وتولى رجال السلطة المسؤولون التحقيق وستذاع تفاصيل أخرى فيما بعد .
« ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتاً بل أحياء عند ربهم يرزقون »
« وإنا لله وإنا إليه راجعون »
16 شوال سنة 1370 هجريّة | الموافق 20 تموز عام 1951م "
إن استشهاد الملك عبد الله الأول لم يضعف الأردن أو يوهن عزيمته ، بل زاده صلابة وثباتاً على المبادئ القومية السامية التي استشهد من أجلها . لقد ترك إرثاً سياسياً ووطنياً غزيراً واصل مسيرته المظفرة من بعده الملوك الهاشميون الأبرار من أطهار الدوحة النبوية الشريفة ، حاملين بكل أمانة وإخلاص الراية والوصاية الهاشمية على المقدسات الإسلامية والمسيحية في القدس الشريف ، ومدافعين بلا هوادة عن حقوق الشعب الفلسطيني وقضاياه العادلة حتى يومنا هذا ، ليبقي الأردن السند الأقوى والعمق الدافئ لفلسطين وأهلها الأحرار .
قائمه المصادر والمراجع :
1 ) كتاب تاريخ الأردن المعاصر ، المؤلف الدكتور عبد القادر الحصان ، دار البيرق للنشر والتوزيع ، عمّان ، 2004م .
2 ) أرشيف رئاسة الوزراء الأردنية ، وثائق تأسيس إمارة شرق الأردن وبيانات النعي الرسمية لعام 1951م .
3 ) مذكرات الملك المؤسس عبد الله الأول ابن الحسين ، دار الدار العربية للعلوم ، بيروت ، 1994م .
4 ) كتاب تاريخ العرب الحديث والمعاصر ، الأستاذ الدكتور محمد سهيل طوش ، دار الفكر العربي ، القاهرة ، 2012م .