ليس كل ما يُقال يُعد رأياً، وليس كل من اعتلى منصة إعلامية يستحق أن يُمنح صفة المفكر أو صاحب الرؤية. فهناك فرق كبير بين النقد المسؤول الذي يهدف إلى الإصلاح، وبين الخطاب الذي يتعمد الإثارة، ويستفز مشاعر الأردنيين، ويستخف بعقولهم، ويُسيء إلى وطنٍ دفع أبناؤه الغالي والنفيس ليبقى شامخاً عزيزاً.
لقد بات مؤسفاً أن نشاهد بين الحين والآخر شخصيات شغلت مواقع متقدمة في الدولة، وكان يفترض أن تكون أكثر الناس إدراكاً لمسؤولية الكلمة، فإذا بها تقدم خطاباً لا يليق بتاريخها ولا بالمناصب التي تقلدتها، بل تنحدر إلى سرديات سطحية، وعبارات ساخرة، وإيحاءات مستفزة، لا تخدم الحقيقة، ولا تحترم عقول الناس، ولا تراعي مكانة الأردن وهيبته.
والأشد غرابة أن تصدر مثل هذه التصريحات ممن يفترض أنهم كانوا جزءاً من صناعة القرار، ويعرفون قيمة الدولة ومؤسساتها، فإذا بهم يختزلون قضايا وطنية كبرى في عبارات هابطة، أو تشبيهات لا تليق، أو سخرية لا تضيف فكراً ولا تبني وعياً. فمن كان رجل دولة، يفترض أن يبقى رجل دولة في كلمته، وفي حضوره، وفي احترامه لوطنه، لا أن يتحول إلى باحث عن الأضواء ولو كان الثمن الإساءة إلى الأردن والأردنيين.
الأردن ليس دولة طارئة على التاريخ، ولا كياناً يمكن التقليل من شأنه بكلمة عابرة أو حديث تلفزيوني. إنه وطن قام على تضحيات الهاشميين، وبطولات الجيش العربي، وتفاني الأجهزة الأمنية، ووفاء شعبه الذي أثبت في كل المحطات أنه السند الحقيقي لدولته وقيادته. ومن يظن أن إثارة الجدل على حساب هذا الوطن ستمنحه حضوراً إعلامياً، فهو واهم؛ لأن الأوطان لا تُقاس بعدد المشاهدات، بل بحجم الاحترام الذي يفرضه تاريخها ومكانتها.
ولا تقف المسؤولية عند من يطلق تلك التصريحات، بل تمتد إلى بعض المنابر الإعلامية التي فتحت أبوابها لكل من يبحث عن الإثارة، حتى أصبحت بعض البرامج تستضيف الشخصيات الأكثر استفزازاً لأنها تعلم أن الجدل يرفع نسب المشاهدة. وكأن الرسالة الإعلامية تحولت من صناعة الوعي إلى صناعة الضجيج، ومن احترام المشاهد إلى استغلال انفعالاته.
إن الحرية الإعلامية لا تعني الفوضى، ولا تعني أن يتحول الوطن إلى مادة للتجريب، أو أن تُطرح الروايات والادعاءات دون تمحيص أو مسؤولية. فحرية التعبير قيمة عظيمة، لكنها لا تنفصل عن الواجب الوطني، ولا تمنح أحداً حق الإساءة إلى الدولة أو الانتقاص من تاريخها أو العبث بصورة مؤسساتها.
لقد آن الأوان لإعادة الاعتبار للمسؤولية الإعلامية، والالتزام بأخلاقيات المهنة، ومحاسبة كل من يتجاوز حدود النقد المسؤول إلى الإساءة المتعمدة أو نشر السرديات المضللة. كما أن من حق المجتمع أن يطالب بمزيد من الالتزام المهني في استضافة الضيوف، بحيث يكون الحوار مبنياً على الحقائق والاحترام، لا على الاستفزاز والتهويل أو التجريح.
إن الأردن سيبقى أكبر من كل الأصوات العابرة، وأرسخ من كل السرديات التي تحاول تشويه صورته أو النيل من مكانته. وسيظل وطن الكرامة والعزة، الذي صنع تاريخه بالعمل والتضحية، لا بالصخب والادعاءات.
حفظ الله الأردن، قيادةً وشعباً وجيشاً وأجهزةً أمنية، وأدام عليه نعمة الأمن والاستقرار، وجعل كلمته دائماً هي العليا، وهيبة دولته فوق كل اعتبار، فالأردن ليس ساحةً للعبث، ولا كرامة الأردنيين مجالاً للمزايدة أو الاستفزاز، وسيبقى الوطن خطاً أحمر لا يقبل المساومة أو الإساءة.