في مثل هذا اليوم ، الثاني من أيار ، تقف الذاكرة الوطنية الأردنية بإجلال أمام محطة مفصلية غيرت وجه التاريخ في المنطقة ، يوم أن أطلّ الملك الشاب الحسين بن طلال - طيب الله ثراه - ليعلن للعالم تسلمه سلطاته الدستورية ، معلناً بدء عهد ( الحسين ) ، ملك البناء والنهضة .
كواليس اليوم التاريخي :
لم يكن يوم الثاني من أيار عام 1953 م مجرد إجراء بروتوكولي ، بل كان عرساً وطنياً بكل ما تحمله الكلمة من معنى . في تمام الساعة الثامنة والربع صباحاً ، استقل الملك الحسين العربة الملكية الحمراء المكشوفة ، محاطاً بكوكبة من الفرسان ، وسط زغاريد النساء وهتافات الجماهير التي ملأت شوارع عمان . توجه جلالته إلى مبنى مجلس الأمة القديم ، حيث أقسم اليمين الدستورية أمام مجلسي الأعيان والنواب ، قائلاً بكلمات واثقة : " أقسم بالله العظيم أن أحافظ على الدستور وأن أخلص للأمة " .
خطاب العهد الأول :
في أول خطاب له بعد القسم ، رسم الحسين ملامح دولته القادمة بوضوح ، حيث أكد أن عرشه يستمد قوته من محبة الشعب ، وقال عبارته الشهيرة التي أصبحت ميثاقاً للعمل الوطني : " إنني سأبذل كل ما في وسعي لخدمة هذا الشعب العزيز الذي أولاني ثقته ، وسأعمل جاهداً لرفع شأن الأردن وإعلاء كلمته " . كان خطاباً يحمل في طياته روح الشباب وعزيمة الهاشميين .
تحديات البناء ومنعطفات السيادة :
تسلم الملك الحسين سلطاته في ظروف إقليمية ودولية بالغة التعقيد ، لكنه استطاع بحكمته المعهودة أن يرسخ قواعد الدولة :
النهضة المؤسسية : شهدت السنوات الأولى من عهده ثورة في التعليم والخدمات الصحية ، إيماناً منه بأن شعاره " الإنسان أغلى ما نملك " يبدأ من العقل السليم والجسم السليم .
السيادة العسكرية : لم تمضِ ثلاث سنوات على تسلمه السلطات حتى اتخذ قراره التاريخي الجريء في 1 آذار 1956 م بتعريب قيادة الجيش العربي ، مطهراً المؤسسة العسكرية من النفوذ الأجنبي لتكون أردنية الوجه عربية القلب .
التنمية الشاملة : انطلقت المشاريع الكبرى كقناة الملك عبد الله ، وشركة الفوسفات ، وميناء العقبة ، مما وضع الأردن على خارطة الاقتصاد الإقليمي .
الحسين ... ملك القلوب وباني النهضة :
على مدار 47 عاماً ، قاد الحسين السفينة الأردنية وسط العواصف بحنكة واقتدار ، جاعلاً من الأردن واحة للأمن والاستقرار ، وصوتاً للحكمة والاعتدال في المحافل الدولية . لقد استطاع أن يبني جيشاً قوياً ، وجهازاً إدارياً كفؤاً ، وجامعات خرجت أجيالاً ساهمت في بناء الأردن والوطن العربي الكبير .
على خطى الحسين ... عهدُ المعزز :
واليوم ، ونحن نستذكر هذا اليوم الخالد ، نرى الأردن يواصل مسيرته بكل ثقة تحت ظل صاحب الجلالة الملك عبد الله الثاني ابن الحسين - حفظه الله ورعاه - ( الملك المعزز ) ، الذي حمل الأمانة بكل إخلاص ، وطور النهضة برؤية عصرية تواكب القرن الحادي والعشرين ، ليبقى الأردن كما أراده الحسين : شامخاً ، عزيزاً ، وقوياً .
إن الثاني من أيار سيبقى دوماً منارةً تذكرنا بأن هذا الوطن بُني بالعرق والدم ، وبقيادة هاشمية لم تلن عزيمتها يوماً في سبيل رفعة الأردن وكرامة إنسانه .
قائمة المصادر والمراجع :
1 ) صفحة الدكتور محمد يونس العبادي ( مدير عام دائرة المكتبة الوطنية السابق ) على الفيسبوك ، زاوية " ذاكرة الأردن " .
2 ) أرشيف الديوان الملكي الهاشمي ، السيرة الذاتية لجلالة الملك الحسين بن طلال .
3 ) وزارة الثقافة الأردنية ، مديرية التراث ، التقويم التاريخي الأردني .
4 ) وكالة الأنباء الأردنية ( بترا ) ، أرشيف المناسبات الوطنية لعام 1953 م .
5 ) كتاب " مهنتي كملك " ، مذكرات جلالة الملك الحسين بن طلال .