ذاكرة التلفزيون الأردني تحتفظ بأسماء قليلة أضاءت المشهد بصوتها وحضورها، وظلت خالدة رغم مرور العقود. سهى طوقان تتقدم هذه الأسماء، إذ لم تكن مجرد مذيعة عابرة، بل رمزًا لحقبة ذهبية في التلفزيون الأردني، ومرآةً صادقة للتراث والثقافة الأردنية بروحها الراقية وأدائها الرفيع.
وُلدت سهى طوقان في عائلة تؤمن بالعلم والثقافة، ما انعكس على اختياراتها منذ بدايات حياتها. بدأت مسيرتها المهنية في مجال التدريس، حيث مارست التعليم بكل شغف، وأظهرت براعة في إيصال المعلومة بروح محبة وقريبة من القلب. هذه المرحلة زرعت فيها مهارات التواصل والقدرة على إدارة الحوار، وهي مهارات ستصبح لاحقًا حجر الأساس في عملها الإعلامي.
انضمت سهى طوقان إلى فريق التلفزيون الأردني في عام 1968، مع بدايات تأسيسه، لتكون ضمن الجيل الأول من الإعلاميات اللواتي أسهمن في انطلاقته، إلى جانب ميسون عويس، عايدة بسيسو، نهى بطشون، نوال الظاهر وهند السمان. وقد واجهت في تلك المرحلة المبكرة تحديات اجتماعية ومهنية عديدة، غير أن شغفها بالمجال الإعلامي وإصرارها على النجاح مكّناها من تحقيق حضور بارز ضمن مسيرة الإعلام الوطني.
لم تكن سهى طوقان مذيعة تقليدية فحسب، بل كانت صاحبة مشروع ثقافي واجتماعي. من البرامج التي تركت بصمة لا تُنسى:
برنامج "التسجيل رقم "
كان برنامجًا تفاعليًا رائدًا، يعتمد على تلقي الرسائل من الجمهور والرد عليها، وهو ما أتاح للناس فرصة التواصل المباشر مع الشاشة لأول مرة، وخلق جسرًا حميميًا بين المذيعة والمشاهدين. هذا البرنامج أظهر براعتها في التعامل مع الرسائل، وأكد قدرتها الفائقة على التفاعل مع جميع شرائح المجتمع.
برنامج "فنون شعبية"
أحد أبرز أعمالها، حيث كرست فيه جهدها للاهتمام بالتراث الأردني والفنون الشعبية، فاستعرضت من خلاله الدبكات الشعبية، الأغاني الفلكلورية، الحرف التقليدية، الأزياء التراثية وغيرها من رموز الثقافة الأردنية. هذا البرنامج كان بمثابة منصة لإحياء الذاكرة الشعبية وتعزيز الهوية الوطنية، وأسهم في تعريف الأجيال الجديدة بتراثهم الأصيل.
على الصعيد الشخصي، ارتبطت سهى طوقان بالمنتج والإعلامي الكبير عدنان العواملة، الذي يُعتبر أحد أعمدة الإنتاج التلفزيوني في الأردن والعالم العربي. وقد ساندته ودعمته في مسيرته الطويلة، لتصبح شريكته في الحياة والنجاح.
ابنهما، طلال العواملة، سار على خطاهما، وأصبح أحد كبار المنتجين في الدراما العربية، حيث أنتج أعمالاً حصدت جوائز عربية وعالمية، من بينها جائزة "الإيمي" الدولية، فكانت العائلة مثالاً للتكامل بين الإعلام، الإنتاج، والرسالة الثقافية الهادفة.
رغم أن سهى طوقان قد رحلت عن عالمنا، إلا أن حضورها بقي خالدًا في ذاكرة زملائها، وفي وجدان كل من تابع شاشتها. تميزت بابتسامتها الهادئة، حضورها البهي، واحترامها العميق للمشاهدين، ما جعلها تحظى بمحبة عارمة وتقدير واسع.
تمثل سهى طوقان مدرسة إعلامية متفردة، جمعت بين رصانة المضمون، خفة الروح، وقوة الحضور. هي رمز للمرأة الأردنية الطموحة التي لم تكتفِ بدور تقليدي، بل تجاوزت ذلك لتصبح مثالاً يُحتذى به في المهنية والالتزام والحفاظ على القيم الوطنية.
اليوم، ونحن نستذكر مسيرتها، نعيد التأكيد على أهمية الإعلام المسؤول، الذي لا يكتفي بالتسلية أو تقديم المعلومة الباردة، بل يحمل رسالة سامية، تمامًا كما فعلت سهى طوقان طوال حياتها.
رحم الله الإعلامية الكبيرة سهى طوقان، وأسكنها فسيح جناته. سيبقى اسمها خالدًا في الذاكرة الإعلامية، وستظل نموذجًا مشرقًا لكل مَن يختار أن يكون الإعلام عنده رسالة، لا مهنة فقط.