كتب : عماد الشبار : زهور عبد الكريم الصعوب، أحد أنقى الأصوات في ذاكرة الإذاعة الأردنية، تميزت بعذوبة نبرتها ورقة حضورها خلف المايكروفون. لم تكن مجرد مذيعة، بل كانت صوتًا ينساب إلى آذان المستمعين كالموسيقى الهادئة، يحمل الكلمة بوقارٍ وألفة. في زمن كانت فيه النبرة تسبق المعنى، شكّلت زهور علامة فارقة في وجدان المستمع الأردني، بصوتها الدافئ الذي أحيا الأثير، وجعل للكلمة حياة.
ولدت زهور في الأردن، ورغم عدم توفر توثيق دقيق لتاريخ ومكان ولادتها، إلا أنها التحقت بـالإذاعة الأردنية في السبعينات أو أوائل الثمانينات، ضمن جيل إعلامي رائد حمل مشعل الكلمة في زمن كانت فيه الإذاعة النافذة الأولى إلى الوعي والذوق العام. لم تكن زهور مذيعة بالمعنى التقليدي، بل كانت صوتًا أدبيًا، شاعريًا، عرف كيف يتسلل بهدوء إلى قلوب المستمعين.
كان صوت زهور الصعوب أشبه بقطعة موسيقية رقيقة. منخفض النبرة، ناعم الإيقاع، لكنه مشحون بالإحساس والصدق. حين تتحدث، تشعر أنك أمام نص نثري يُقرأ بشجن، أو قصيدة تُلقى بدون قافية، لكن بقلبٍ نابض. لم تكن تُعلن عن نفسها، بل تدع صوتها يُخبرك بكل شيء: ثقافتها، تهذيبها، احترامها للمستمع، وحبها لما تقدمه.
كانت، كما وصفها زملاؤها، "صوتًا يليق بالصمت"، أي أنها تجعل من لحظة الاستماع متعة صافية، بلا ضجيج أو بهرجة أو استعراض.
قدّمت زهور الصعوب على مدى سنوات عملها في الإذاعة الأردنية عددًا من البرامج الوجدانية والدينية والثقافية، التي لم تكن فقط مجرد محتوى، بل مناسبات صوتية كانت تنتظرها الآذان والقلوب:
"نسمات أردنية"
برنامج وجداني يُبث في الصباح أو المساء، امتاز بروح تأملية وأدبية، وكانت زهور تُلقي فيه نصوصًا قصيرة، مقتبسات، أو خواطر من كتابتها الخاصة، مرفقة بموسيقى خلفية هادئة، مما جعله من أكثر البرامج قربًا للمستمع الأردني.
"آلاء تسبّح الله"
برنامج ديني – تأملي، كانت تلقي فيه مقاطع قرآنية، وأحاديث نبوية، وتأملات في عظمة الخلق، بروح صوفية رقيقة، جعلت من صوتها مزيجًا من التدبّر والسكينة.
فواصل وجدانية ومناسبات وطنية
في المناسبات الوطنية والدينية، كانت زهور تُكلّف غالبًا بتسجيل فقرات شعرية أو نثرية تُبث بين الفقرات الرسمية، بصوتها الذي يحوّل الكلمات إلى طيف شعري عابر.
إلى جانب عملها الإذاعي، كانت زهور الصعوب كاتبة وشاعرة تمتلك حسًا أدبيًا عاليًا، وقد كتبت العديد من النصوص والخواطر التي ألقتها بصوتها ضمن برامجها، أو نشرتها لاحقًا في الصحف. كانت تهتم بمواضيع الروح، الإنسان، الأم، الوطن، والبساطة، وكل ذلك بأسلوبٍ وجداني لا يخلو من عمق فلسفي.
وقد ذكرت شقيقتها الأديبة زهرية الصعوب في أكثر من موضع أن زهور "كانت تقول بالكلمة ما يعجز عن التعبير عنه كثيرون بالصراخ"، وكانت تؤمن بأن الصوت الطيّب رسالة في حد ذاته.
في 3 أيلول 2022، رحلت زهور الصعوب بهدوء يشبه صوتها، لكن رحيلها شكّل خسارة كبيرة للمشهد الإعلامي والثقافي الأردني. نعاها زملاؤها، وكتبوا عنها كلمات تعبّر عن الاحترام العميق لمسيرتها. قالت إحدى زميلاتها:
"رحلت زهور… لكنها لم تُغادر الصوت الذي علمنا كيف نصمت حين نسمعه."
زهور الصعوب لم تكن إعلامية بصخب، ولا نجمة بشروط الشهرة، لكنها كانت صوتًا راسخًا في ذاكرة أجيال. لا يُنسى صوتها في صباحات رمضان، ولا همساتها في ليالي الوطن. كانت مثالًا لمذيعة تؤمن أن الرقي في الإعلام لا يصنعه التجمّل، بل الصدق والبساطة والعمق.
في زمن تغيّرت فيه معايير الصوت والكلمة، تبقى زهور الصعوب أنموذجًا خالدًا لإعلامية أدّت رسالتها بصوتها، وعاشت في الظل لكنها زرعت فينا الضوء.