في ذاكرة الإعلام الأردني، تبرز أسماء سكنت أثير الإذاعة وأضحت جزءًا من روتين الناس اليومي، ومن بينهم الإعلامي خلدون الكردي، الذي امتد حضوره المهني لعقود في مؤسسة الإذاعة الأردنية، مخلّفًا أثرًا في برامج البث المباشر والمنوعات، بما يمتلكه من صوت مميز وحضور آسر.
بدأ خلدون الكردي مسيرته الإعلامية في الإذاعة الأردنية، حيث تميّز بصوت دافئ وأداء رصين، جعله محطّ ثقة المسؤولين والمستمعين على حد سواء. لم يكن مجرد قارئٍ للنصوص أو منسق فقرات، بل كان شريكًا حقيقيًا في بناء تجربة إعلامية تتسم بالحيوية والاتصال المباشر مع الجمهور. وكان خير من يكلف بالتعليق على الأحداث المباشرة، بما يملكه من ملكة في التعبير وسلاسة في إيصال المعلومة وقوة في الأداء.
برنامج "البث المباشر"
يُعد من أبرز البرامج التفاعلية التي كان فيها خلدون الكردي وجهًا وصوتًا صريحًا، يطرح قضايا الناس، وينقل همومهم للجهات الرسمية بأسلوب يزاوج بين المهنية والجرأة. وقد شهد هذا البرنامج العديد من اللحظات المهمة، من أبرزها الاتصال المباشر الذي أجراه خلدون الكردي وزميلته في البرنامج المذيعة ضياء فخر الدين مع جلالة المغفور له الملك الحسين بن طلال – طيب الله ثراه – عند عودته الأولى من رحلة العلاج. وكان ذلك الحدث محطة مؤثرة في ذاكرة الإذاعة الأردنية، حيث هنّأ المذيعان جلالة الملك بسلامته، وطمأن الملك الشعب الأردني بنفسه عن صحته، في مشهد غلبت عليه الإنسانية والحميمية، وزاد من مكانة البرنامج لدى المستمعين.
برنامج "مشوار الصباح"
رافق من خلاله المستمعين في بداية يومهم، وشاركه في تقديمه نخبة من الإعلاميين، من بينهم الإعلامية سمراء عبد المجيد، حيث جمعهما تناغم إذاعي فريد أضفى على البرنامج روحًا إنسانية وحيوية خاصة.
من بين التجارب الإذاعية المميزة التي قدمها خلدون الكردي، برز برنامج "هواة وراء المايكروفون"، الذي كان يتيح للهواة فرصة تقديم مواهبهم في الغناء والعزف على أثير الإذاعة الأردنية. وقد منح البرنامج مساحة للشباب الموهوبين لإظهار قدراتهم أمام جمهور واسع، بينما قدم خلدون الكردي الإشراف والمرافقة المهنية لهم بأسلوب داعم ومشجع، ما أضفى على البرنامج طابعًا تعليميًا وترفيهيًا في آن واحد.
ورغم أن الإذاعة كانت بيته المهني الأول، إلا أن خلدون الكردي خاض أيضًا تجربة تلفزيونية متميزة من خلال برنامج "من هنا وهناك"، الذي تولى تقديمه مع الإعلامية سمراء عبد المجيد، وكان البرنامج من إخراج المبدع حسيب يوسف، أحد أعلام إخراج المنوعات في التلفزيون الأردني. وقد تميز بأسلوبه الخفيف والمتنوع، متناولًا موضوعات اجتماعية وثقافية من قلب المجتمع.
لم تقتصر مساهمة الكردي على الجانب التقديمي، بل شغل أيضًا موقعًا إداريًا مهمًا في الإذاعة، حيث تولى رئاسة قسم التنسيق، وهو قسم محوري في تنظيم البث اليومي وتوزيع البرامج وضمان الانسيابية والاتساق بين فقرات الأثير. وقد عُرف عنه الانضباط والدقة، ما جعل حضوره الإداري محل تقدير واحترام داخل أروقة المؤسسة.
خلدون الكردي لا يُعد من الأسماء التي تسعى للأضواء أو تتصدر العناوين، لكنه من أولئك الإعلاميين الذين يتركون أثرهم بصمت، من خلال صوتهم، وحضورهم، ومهنيتهم. لم يكن نجمًا جماهيريًا بقدر ما كان نجمًا داخل كواليس العمل الإعلامي، يُنجز بصبر، ويُحاور باحترام، ويقود خلف الميكروفون بحكمة. وصوتُه ظلّ من أميز الأصوات التي عرفتها الإذاعة الأردنية.
إن الحديث عن خلدون الكردي هو حديث عن جيل من الإعلاميين الأردنيين الذين أسسوا لحضور إذاعي وتلفزيوني متين، يجمع بين الثقافة والالتزام والإنصات للناس. وأثره سيبقى حاضرًا في ذاكرة من استمعوا لصوته صباحًا، أو تابعوه في برامج المنوعات، أو عايشوا معه لحظات تاريخية مثل تلك المكالمة المؤثرة مع الملك الحسين – رحمه الله – التي وثّقت الرابط الوثيق بين الإعلام الأردني وقائده وشعبه.