استعرض مندوب سوريا الدائم لدى الأمم المتحدة، إبراهيم علبي، جهود الحكومة السورية في تطوير القطاع الإعلامي وبناء إعلام حر ومسؤول، يقوم على نقل الحقيقة وصون حرية الصحافة، وذلك خلال كلمة ألقاها أمام اللجنة الرابعة للجمعية العامة للأمم المتحدة، في إطار مناقشة البند المتعلق بالمسائل المتصلة بالإعلام.
وتناول علبي، خلال كلمته، أبرز الخطوات الإصلاحية التي يشهدها الإعلام السوري، وفي مقدمتها إطلاق مدونة السلوك المهني والأخلاقي، وإعادة هيكلة الإعلام الرسمي، مؤكداً توجه سوريا نحو تجاوز إرث النظام السابق، وما شهده القطاع الإعلامي خلال سنوات طويلة من القمع والتضليل وتغييب الحقيقة.
وأشار إلى أن من أبرز العوامل التي أسهمت في تصاعد الاحتقان الشعبي مع اندلاع الاحتجاجات عام 2011، اعتماد إعلام النظام السابق على التضليل ومحاولات إخفاء الأسباب الحقيقية للمظاهرات، الأمر الذي زاد من غضب المواطنين.
ولفت علبي إلى أن أكثر من 700 صحفي وإعلامي استشهدوا خلال سنوات الثورة السورية أثناء محاولتهم نقل الحقيقة إلى العالم، مؤكداً أن تضحياتهم تفرض مسؤولية بناء بيئة إعلامية تعكس تطلعات الشعب السوري وتحترم المبادئ الأساسية لحرية الصحافة.
وشدد على أن دور الإعلام يجب أن يقوم على نقل الوقائع كما هي، ووضع الأحداث في سياقها الصحيح، بعيداً عن التضليل والحملات الدعائية، مع التعامل مع القضايا بموضوعية وطرح الحلول إلى جانب تسليط الضوء على التحديات.
مدونة للسلوك المهني وتقدم في مؤشر حرية الصحافة
وأوضح علبي أن وزارة الإعلام أطلقت مطلع العام الجاري مدونة السلوك المهني والأخلاقي لقطاع الإعلام في سوريا، والتي تقع في نحو مئة صفحة، وأعدتها لجنة وطنية تقنية متخصصة ومستقلة، باعتبارها خطوة تأسيسية نحو ترسيخ إعلام وطني حر ومسؤول.
وبيّن أن المدونة تمثل إطاراً للتنظيم الذاتي والالتزام بالمعايير المهنية والأخلاقية، ولا تشكل بديلاً عن القانون أو مجرد نص أخلاقي، مشيراً إلى أن المؤسسات الإعلامية كانت في مقدمة الجهات التي تبنت مبادئها ومعاييرها.
كما أشار إلى تقدم سوريا 36 مرتبة في مؤشر حرية الصحافة العالمي لعام 2026 الصادر عن منظمة «مراسلون بلا حدود»، لتصل إلى المرتبة 141 بعد أن كانت في المرتبة 177، موضحاً أن هذا التقدم شمل المؤشرات الخمسة التي يعتمدها التصنيف، مع تحسن ملحوظ في المؤشر القانوني.
وأضاف أن هذا التحسن يأتي بعد سنوات طويلة كانت فيها سوريا ضمن المراتب العشر الأخيرة عالمياً، مؤكداً أن النتائج تعكس التحولات التي يشهدها القطاع الإعلامي.
حملات لمواجهة خطاب الكراهية والمعلومات المضللة
وفي سياق الجهود الرامية إلى تعزيز الإعلام المسؤول، تحدث علبي عن حملة «الكلمة تبني»، التي أطلقتها الأكاديمية السورية للإعلام بالشراكة مع وزارة الإعلام وبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي، في عدد من المحافظات السورية، بهدف الحد من خطاب الكراهية والتحريض والمعلومات المضللة.
وأوضح أن الحملة تسعى إلى تعزيز الوعي الإعلامي والسلوك المسؤول في الفضاء الإلكتروني، بما يسهم في حماية النسيج الوطني، ودعم التماسك المجتمعي، وترسيخ قيم التعايش والوحدة بين مختلف مكونات المجتمع السوري.
وأكد أن مواجهة خطاب الكراهية لا تعني تقييد حرية التعبير، وإنما تعزيز ممارستها بصورة مسؤولة، من خلال التحقق من المعلومات واحترام كرامة الإنسان.
كما أشار إلى إطلاق «إعلان دمشق لحرية الصحافة والتضامن الإعلامي» في 18 تشرين الأول الماضي، من قبل اللجنة الدائمة للحريات في الاتحاد العام للصحفيين العرب، موضحاً أن الإعلان يركز على حماية الصحفيين وضمان استقلاليتهم وصون حرية التعبير ورفض التهديدات والاعتداءات التي يتعرضون لها.
ولفت إلى أن الإعلان يدين الاعتداءات الإسرائيلية بحق الصحفيين في سوريا وفلسطين ولبنان، ويدعو إلى محاسبة المسؤولين عنها، إلى جانب توفير بيئة آمنة للعمل الصحفي ودعم المؤسسات الإعلامية السورية على المستويين التقني والمهني.
علبي يدين الاعتداءات الإسرائيلية على الصحفيين في الجنوب السوري
وفيما يتعلق بالإعلام الرسمي، أكد علبي أن سوريا عملت على إعادة هيكلته، بما يتيح المجال أمام مختلف الآراء والاتجاهات، بما فيها الأصوات التي تختلف مع التوجهات الحكومية، معتبراً ذلك خطوة باتجاه إعلام أكثر انفتاحاً وقدرة على نقل الوقائع بمهنية وموضوعية.
وفي المقابل، أشار إلى استمرار الانتهاكات الإسرائيلية بحق الصحفيين السوريين في الجنوب السوري، لافتاً إلى تعرضهم لإطلاق النار وملاحقة الطائرات المسيّرة، فضلاً عن المضايقات والاحتجاز، في محاولات لمنعهم من توثيق الانتهاكات الإسرائيلية ونقل ما يجري على الأرض.
وأكد علبي ضرورة توفير الحماية للصحفيين السوريين في المناطق السورية المحتلة، وضمان قدرتهم على أداء عملهم بحرية وأمان، بما يتوافق مع قواعد القانون الدولي، ومحاسبة المسؤولين عن الانتهاكات التي تستهدفهم.
واختتم بالتأكيد على أن بناء إعلام حر ومسؤول يشكل ركيزة أساسية في مسيرة سوريا الجديدة، وأن حماية الصحفيين وحرية الكلمة ونقل الحقيقة تمثل مسؤولية لا يمكن التهاون بها.