ليست كل الرسائل تُكتب بالحبر، وليست كل المواقف تحتاج إلى خطابات مطولة كي تبلغ أعماق القلوب؛ فهناك مواقف تختصر تاريخاً من المحبة والانتماء، وتتحول إلى رسائل وطنية خالدة في وجدان الشعوب. وهكذا كانت المدرقة الكركية التي ارتدتها جلالة الملكة رانيا العبدالله خلال خطاب جلالة الملك عبدالله الثاني ابن الحسين، عقب الأحداث المؤلمة التي شهدتها بلدة حمود في محافظة الكرك.
لم تكن المدرقة مجرد لباس تراثي، ولم يكن اختيارها تفصيلاً عابراً في مشهد رسمي، بل كانت رسالة وطنية بليغة، تحمل في طياتها معاني الوفاء والتضامن والاعتزاز بأهل الكرك، وتقول لكل أردني إن الكرك ليست وحدها، وإن حمود ليست بعيدة عن وجدان الدولة وقيادتها وشعبها.
إنها رسالة أكبر من قطعة تراث، وأعمق من مشهد عابر؛ إنها لغة هاشمية تعرف كيف تصل إلى القلوب، وكيف تحول الرموز إلى مواقف، والمواقف إلى جسور من المحبة والتلاحم. وكأن جلالة الملكة تقول لأهل الكرك: نحن معكم، نشعر بوجعكم، ونعتز بتاريخكم وأصالتكم، فأنتم جزء أصيل من حكاية الأردن التي لا تكتمل إلا بجميع أبنائها.
وفي توقيت هذه اللفتة دلالة لا تخفى على أحد؛ فبعد الأحداث التي آلمت الأردنيين في بلدة حمود، جاء هذا الحضور بالمدرقة الكركية ليؤكد أن الوطن لا يتخلى عن أبنائه، وأن جراح أي منطقة هي جراح الوطن كله، وأن قوة الأردن تكمن في قدرته على احتضان أبنائه، وتعزيز وحدتهم، وإغلاق كل الأبواب أمام الفتنة والكراهية والتطرف.
وهنا نقولها بصوت أردني واحد: نحن أهل جميعاً، لا تفرقنا محافظة، ولا تباعد بيننا عشيرة، ولا تهز وحدتنا أحداث مهما كانت قاسية. من الكرك إلى مادبا، ومن عمّان إلى إربد، ومن البادية إلى الأغوار، يجمعنا اسم الأردن، وتحمي مسيرتنا راية الهاشميين، ونلتف حول قيادة جلالة الملك عبدالله الثاني ابن الحسين.
إن جلالة الملكة رانيا العبدالله، بهذه اللفتة ذات الدلالات العميقة، قدمت نموذجاً راقياً في التعبير عن التضامن الوطني، وأكدت أن احترام هوية المناطق وتراثها ليس مجاملة، بل اعتراف بتاريخها ومكانتها ودورها في بناء الدولة.
أما جلالة الملك عبدالله الثاني، فقد ظل عنواناً لوحدة الأردنيين وصلابة الدولة، وقيادة تؤمن بأن الإنسان الأردني هو الثروة الحقيقية، وأن أمن الوطن واستقراره وتماسك نسيجه الاجتماعي خطوط حمراء لا تقبل المساومة.
المدرقة الكركية قالت ما نريد قوله جميعاً: لا كرك وحدها، ولا حمود وحدها، ولا محافظة وحدها؛ نحن الأردن، ونحن أهله، ووجع أي أردني هو وجعنا جميعاً.
حفظ الله الملك عبدالله الثاني، وحفظ جلالة الملكة رانيا وسمو ولي العهد الأمير الحسين، وأدام الأردن عزيزاً موحداً، عصياً على الفتنة، شامخاً براية الهاشميين.