توطئة تحريرية من وكالة نيروز الإخبارية: يسر الوكالة أن تقدم لقرائها هذه القراءة الحقوقية والفلسفية المعمقة والتي تسلط الضوء على مبادرة وطنية رائدة تسعى لأنسنة التشريع وبناء الوعي محققةً نقلة نوعية من قانون الأبدان والإكراه إلى قانون الأذهان وطهارة المسلك كبنية تحتية راسخة للأمن الفكري والمجتمعي في مئوية الدولة الثانية.
في طوفان المصطلحات الجافة والقوالب الجامدة التي تعج بها الأوساط الحقوقية والتي تكاد تحصر التشريع في زوايا العقاب والملاحقة والإكراه يبرز اسم : مبادرة محراب القانون للوعي التشريعي والأمن الفكري المجتمعي للمحامي والباحث الأردني محمد ياسر العطار ليمثل صدمة إيجابية ونوعية في الوعي المجتمعي ويحدث هزة فكرية تشريعية غير مسبوقة إن اختيار لفظ المحراب تحديداً لم يكن مجرد انتقاء لغوي عابر لغايات التميز البلاغي بل هو اختيار ينطوي على دلالة فلسفية غاية في الندرة والعمق فالمحراب في الوجدان الإنساني هو موضع التجرد المطلق والانقطاع للحق والوقوف الراسخ في حضرة النقاء والصفاء ومن هذا المنطلق ينطلق العطار ليؤسس لنظرية أنسنة القانون مستلهماً الفكرة الأزلية بأن القانون وُجِد من أجل الإنسان، ولم يُوجَد الإنسان من أجل القانون. فالقانون في فكره ليس مجرد نصوص صماء تُحفظ في المجلدات بل هو حالة تعبدية وطنية تستلزم طهارة في المسلك ونزاهة في المقصد لأن القانون لا يُطبَّق بالقوة بل بالاقتناع والقوة بلا اقتناع استبداد مؤجّل وتكمن الكنوز الخفية في هذه المبادرة في أنها تخرج بالمجتمع من دائرة الخوف من العقاب إلى دائرة السمو الأخلاقي والتقديس الذاتي لسيادة التشريع ويرى العطار أن المجتمع الذي يحفظ قانونه ينتظر العقوبة، والمجتمع الذي يفهمه يستحق الأمان ومن هنا فإن الأمم لا تُقاس بما تُصدر من قوانين بل بما تستوعب منها تماشياً مع الحكمة القانونية التاريخية التي تقول بأن صلاح الأمم بكثرة الوعي بالقوانين لا بكثرة نصوصها. وهنا يبرز السبق الفكري غير المسبوق لهذه المبادرة فبينما صممت المنظومات القانونية عبر التاريخ البشري لتقييد حركة الأبدان وزجر السلوك الخارجي عبر العقوبة يأتي محراب القانون ليعيد صياغة المعادلة باتجاه تحرير حركة الأذهان وتحصين العقل من الداخل إنها نقلة نوعية من قانون الأبدان القائم على الإكراه إلى قانون الأذهان القائم على الوعي والاستقلال المعرفي للمواطن ويتجذر هذا الطرح في أعمق أطروحات الفلسفة الحضارية إذ لطالما أكد العلامة ابن خلدون في مقدمته الشهيرة أن الأوطان لا تستقربـ وازع السيف والملاحقة وحده بل بـ الوازع الذاتي الذي يسكن نفوس البشر وهو عين ما يصبو إليه محراب القانون حين ينقل التشريع من مرتبة الإكراه الخارجي إلى مرتبة الضمير الداخلي فحين يُبنى الوعي يُبنى الأمان وهذا البناء الفكري الاستراتيجي يمثل البنية التحتية للأمن الفكري ومكافحة الجريمة قبل وقوعها فكما يعبّر العطار بدقة : أخطر ما في البناء أنه لا يُرى.. الجدران تُرى لكن الأساس مدفون وكذلك الوعي ويتلاقى هذا الطرح مع الفلسفة الجنائية الحديثة ومع ما أراد الفيلسوف الفارابي إيصاله في حديثه عن المدينة الفاضلة حين بيّن أن القوانين إذا جُرِّدت من الفضيلة وطهارة المسلك تحولت إلى طقوس جوفاء تثير توجس الرعية بدلاً من طمأنينتهم وعليه فإن منع الجريمة بالوعي والعدالة أسمى بكثير من معاقبتها بالنصوص والوعي التشريعي ليس مجرد بابٍ يفضي إلى الأمن الفكري بل هو بنيته التحتية الراسخة مؤكداً أن هذا الأمن المستدام لا يُبنى بالخطابات بل بالمنظوماتولعل أبهى تجليات هذه المبادرة هي قدرتها على قراءة التاريخ والوفاء للإرث الوطني حيث يربط العطار بروعة بين جهود والده المختار الراحل ياسر العطار في القضاء العشائري وإصلاح ذات البين وبين مبادرته القانونية المعاصرة مختصراً هذا الانتقال التاريخي العبقري بقوله: العباءة كانت تحمي النسيج الاجتماعي والمحراب يحمي النسيج الذهني ومن هذا المنظور التكاملي البكر الذي يزاوج بين أصالة التراث العشائري ونقاء المقصد الفلسفي الذي نافح عنه ابن رشد في ربطه الشرع بالأخلاق تتجاوز المبادرة محيطها التقليدي لتصبح ركيزة فكرية تتماشى مع مسارات التحديث والتطويرالتي تنتهجها الدولة الأردنية لبناء مجتمع الوعي والمواطنة الصالحة إن هذا التميز الفريد في تحويل الثقافة القانونية إلى منصة للتكافل المعرفي والتطوع المستدام يثبت اليوم بحق أنه حين يُدار القانون بالوعي يُدار المجتمع بالعدل وفي المحصلة فإن هذه المبادرة تضعنا جميعاً أمام مسؤوليتنا الوطنية في مواجهة الفكر السلبي الهدام والانقياد الأعمى وراء الإشاعات والأخبار المضللة إذ إن المواطنة الإيجابية الحقّة تستدعي اليوم تعزيز ثقتنا الراسخة بأجهزة دولتنا ومؤسساتها الرسمية باعتبارها المصدر الحقيقي والصادق للمعلومات والبيانات فحين يستقي المواطن وعيه من المنصات الرسمية للدولة يسهم مباشرة في حماية الأمن السلمي والمجتمعي ويتحول الفرد من مستهلك للإشاعة إلى حارس للوعي لأن الأوطان لا تُبنى بالتشكيك والسلبيات بل بالفكر الإيجابي البناء والتلاحم خلف مؤسساتنا الوطنية التي تشكل الحصن المنيع والسياج الآمن الذي يصون الوطن والمواطن في مئويته الثانية .