بحث مؤتمر بغداد للاحتفاء باليوم العالمي للترجمة لعام 2026، مستقبل مهنة الترجمة في ظل التطور المتسارع لتقنيات الذكاء الاصطناعي، بمشاركة أكثر من 300 مترجم وأكاديمي وباحث، وسط تأكيد ضرورة الاستفادة من التقنيات الحديثة، مع الحفاظ على دور الإنسان في فهم المعاني والسياقات الثقافية وضمان الدقة والمسؤولية المهنية.
واستحضر المؤتمر الإرث التاريخي لبغداد في مجالات الترجمة والمعرفة، من خلال جلسات ناقشت تأثير الذكاء الاصطناعي في الترجمة القانونية والإبداعية والإعلامية، إلى جانب قضايا التنوع اللغوي والحقوق اللغوية ومستقبل المهنة في العراق.
وتناولت النقاشات ما توفره التقنيات الحديثة من إمكانات لتسريع عمليات الترجمة، والبحث عن المصطلحات، ومقارنة النصوص والوصول إلى المعلومات، في مقابل تحديات تتعلق بفهم السياقات الثقافية والدلالات اللغوية والمقاصد التي قد لا تتمكن الأنظمة الآلية من نقلها بدقة.
وشددت الجلسات على أهمية المراجعة البشرية، لا سيما في المجالات الحساسة، مثل الترجمة الطبية والقانونية، لما قد يترتب على الأخطاء فيها من آثار تمس حياة الأفراد وحقوقهم والتزاماتهم القانونية.
وفي هذا الإطار، شارك الدكتور قاسم الأسدي، نائب رئيس جمعية المترجمين العراقيين، في النقاشات المتعلقة بالتحولات التي تشهدها المهنة، وسبل مواكبة التطورات التقنية والاستجابة لمتطلبات سوق العمل.
وشهد المؤتمر الإعلان عن تأسيس مركز للترجمة القانونية في كلية القانون بالجامعة الأمريكية في العراق – بغداد، بهدف تدريب مترجمين متخصصين والارتقاء بمستوى التأهيل المهني في هذا المجال.
وأكدت النقاشات أن الترجمة القانونية تتطلب الجمع بين الكفاءة اللغوية والمعرفة بالقوانين والأنظمة ذات الصلة، نظراً لما تحتاج إليه النصوص القانونية من دقة في استخدام المصطلحات وفهم الإجراءات والتشريعات.
وفي سياق متصل، سلطت المترجمة داليا كفيف الضوء على دور الذكاء الاصطناعي في توسيع فرص العمل أمام المترجمين من ذوي الإعاقة البصرية، من خلال أدوات قراءة الصور واستخراج النصوص منها وتحويلها إلى محتوى قابل للقراءة.
وأوضحت أن هذه الأدوات أسهمت في تسهيل الوصول إلى المعلومات والتعامل مع النصوص الأجنبية، بما يعزز استقلالية المترجمين ويساعدهم على إنجاز أعمالهم بكفاءة أكبر.
من جانبه، أشار الدكتور رضا الموسوي إلى أهمية مشاركة أكثر من 300 مترجم في المؤتمر، لما توفره من فرصة لتبادل الخبرات بين الأكاديميين والممارسين، ومناقشة أبرز التحديات التي تواجه المهنة في ظل التحول الرقمي.
وتطرقت الجلسات كذلك إلى الخصوصية اللغوية والثقافية في العراق، والحاجة إلى تطوير أدوات ترجمة تراعي العربية والكردية والتركمانية والسريانية وغيرها من اللغات، مع إيلاء اهتمام خاص باللغات الأقل حضوراً في قواعد البيانات والنماذج الرقمية.
كما أكدت النقاشات أن الترجمة لا تقتصر على نقل الكلمات من لغة إلى أخرى، بل تتطلب فهماً للسياق وإعادة صياغة المعنى بما يتناسب مع ثقافة اللغة المستهدفة، وهو ما يتقاطع مع الطروحات الفكرية التي تناولت الترجمة بوصفها فعلاً معرفياً، ومنها أفكار المفكر طه عبد الرحمن.
وخلص المؤتمر إلى أن مستقبل المترجم يرتبط بقدرته على تطوير مهاراته اللغوية والتخصصية، والاستفادة من الأدوات الرقمية، والتحقق من مخرجات الذكاء الاصطناعي، مع الاحتفاظ بدوره في اتخاذ القرار النهائي وضمان دقة النصوص وملاءمتها للسياق.
ويعيد المؤتمر، باستحضاره تاريخ بغداد في حركة الترجمة وربطه بالتطورات التقنية الراهنة، التأكيد على أهمية تحقيق التوازن بين إمكانات الذكاء الاصطناعي والخبرة الإنسانية، بما يسهم في تطوير المهنة وتوسيع الوصول إلى المعرفة، دون التفريط بدور الإنسان في فهم المعنى وتحمل المسؤولية عنه.