تُعدّ الممرات والمضائق البحرية، مثل هرمز وباب المندب وقناة السويس. ….الخ، شرايين أساسية للتجارة والطاقة وسلاسل الإمداد العالمية. ويؤدي تعطيلها إلى ارتفاع تكاليف النقل والتأمين والطاقة، وتأخر وصول السلع، واضطراب الأسواق والاقتصاد الدولي. ورغم تمتع الدول الساحلية بحقوق سيادية واختصاصات تختلف باختلاف الموقع والوضع القانوني لكل ممر، فإن هذه الممرات تخضع للقانون الدولي، بما في ذلك اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار.
وتتجاوز أهمية هذه الممرات حدود الدول الساحلية، لاعتماد دول كثيرة عليها في التجارة والأمن الغذائي والطاقة. كما أن اضطراب ممر واحد قد يخلّف آثاراً اقتصادية وسياسية واسعة، فضلاً عن احتمال تعرض بعض الممرات لتهديدات أمنية من جماعات إرهابية أو جهات مسلحة. وقد تتيح الإدارة المنفردة، ولا سيما أثناء الأزمات، استخدام الموقع الجغرافي وسيلةً للضغط السياسي أو الاقتصادي او الامني، بما يهدد حرية الملاحة واستقرار التجارة العالمية.
ولا تعني الإدارة الدولية المشتركة نزع سيادة الدول الساحلية، بل إنشاء إطار مؤسسي متعدد الأطراف ينظم الملاحة وفق قواعد واضحة ومتفق عليها، ويوازن بين حقوق الدول الساحلية والمصلحة الدولية. ويمكن لهذا الإطار، بالتنسيق مع الدول المعنية، تطبيق معايير السلامة وحماية البيئة، وتبادل المعلومات، وضمان عدم التمييز بين السفن، وتعزيز أمن الممرات في مواجهة التهديدات. كما يسهم في الحد من القرارات الأحادية، وتقليل مخاطر المواجهات، وتوفير آليات فعالة للتعامل مع الأزمات وتسوية النزاعات.
غير أن نجاح هذا النموذج يتطلب تمثيلاً عادلاً للدول الساحلية والدول المستخدمة للممرات، ووضوح الصلاحيات، ورقابة مستقلة، وقواعد ملزمة، مع مراعاة الوضع القانوني الخاص بكل ممر. كما ينبغي تعزيز دور المنظمة البحرية الدولية، وإنشاء آليات للإنذار المبكر وتبادل المعلومات، ووضع برامج دولية لتمويل أمن الممرات وصيانتها وحماية بيئتها، مع توزيع الأعباء بعدالة.
ويرى الباحث أن الممرات والمضائق الاستراتيجية مرافق ذات أهمية دولية، وليست شأناً خاصاً بالدول الساحلية وحدها. لذلك فإن تطوير نظام دولي قائم على الشراكة والشفافية والمسؤولية المشتركة يمثل خياراً ضرورياً لحماية حرية الملاحة ومنع استغلال هذه الممرات سياسياً أو اقتصادياً. ويجب أن يقوم هذا النظام على احترام سيادة الدول الساحلية وحقوقها، مع تنظيم ممارستها بما يحقق التوازن بين السيادة الوطنية والمصلحة الدولية.
وخلاصة القول إن أمن الممرات والمضائق واستمرار التجارة العالمية يتطلبان الانتقال من الإدارة المنفردة إلى التعاون الدولي المنظم. فالإدارة الدولية المشتركة، إذا التزمت بالقانون الدولي والتمثيل العادل والرقابة الفعالة، يمكن أن تضمن بقاء هذه الممرات مفتوحة وآمنة، وأن تعزز الاستقرار والتنمية والتجارة العالمية.
اللواء الركن م. الدكتور مفلح الزيدانين
متخصص في التخطيط الاستراتيجي وإدارة الموارد البشرية