سرٌّ عمره ٦٠ عاماً ولغز الـ ١٥ ساعة بين إربد والطفيلة!.. الكاتب يوسف المرافي يكشف الملحمة التي أبكت الملايين وصنعت أسطورة الشيخ أحمد العمري شفاه الله.
في زمن الكبار، يُولد الرجالُ ليصنعوا أثرًا لا يمحوه الزمان، ويتركوا خطىً تهتدي بها الأجيال. الأستاذ العلامة والمربي الفاضل أحمد عقلة العمري (أبو ياسر)، أحد أعلام "الجيل الذهبي" للتربية والتعليم في الأردن، وقامة وطنية قيادية جمعت بين هيبة الإدارة، ورقة العلم، وعمق الأصالة.
#البدايات_والمولد_نبتة_في_أرض_العلم
ولد الشيخ أبو ياسر عام 1941م في قرية دير يوسف بمحافظة إربد، في بيت عريق ينتسب نسبه إلى ثاني الخلفاء الراشدين الفاروق عمر بن الخطاب (رضي الله عنه). ظهر ذكاؤه وفطنته منذ الصغر، فنشأ محبًا للعلم والمعرفة، والتحق بكتّاب القرية عام 1948م ليتعلم القرآن الكريم، وقواعد الخط، والحساب.
انتقل بعدها إلى مدرسة القرية الحكومية فور تأسيسها عام 1949م، وأنهى فيها الصف التاسع (الثالث الثانوي آنذاك)، ليواصل دراسته في مدرسة إربد الثانوية للذكور، وحصل منها على شهادة الدراسة الثانوية ("المترك") عام 1960م.
واصل مسيرته العلمية بشغفٍ وشرف، فحصل على شهادة الليسانس في الشريعة الإسلامية من جامعة دمشق عام 1965م، ثم توّج رحلته الأكاديمية بنيل شهادة الماجستير في الإدارة التربوية من جامعة اليرموك عام 1989م.
#رحلة_العطاء_التربوي_35_عامًا_في_خدمة_الأجيال
بدأت رحلته العملية عام 1965م معلمًا للغة العربية والتربية الإسلامية في ثانويتي البنين والبنات بلواء الطفيلة آنذاك، ليترك أولى بصماته التربوية على مدار 5 سنوات. ومع تأسيس مديرية التربية والتعليم في الطفيلة عام 1970م، كان العمري في طليعة المؤسسين؛ حيث عمل موجهًا تربويًا، ورئيسًا لقسم الإحصاء، وقائمًا بأعمال المساعد الفني.
توالت محطاته التربوية عبر محافظات المملكة في مسيرة شاقة وحافلة امتدت زهاء 35 عامًا:
لواء المفرق (1980م): مساعدًا لمدير التربية والتعليم، ثم مديرًا بالوكالة لمدة 3 سنوات، تخللها حصوله على دبلوم التربية من جامعة اليرموك عام 1981م.
لواء جرش (1985م): مديرًا للتربية والتعليم.
لواء عجلون (1987م): مديرًا للتربية والتعليم.
دولة الإمارات العربية المتحدة (1987م): مستشارًا ثقافيًا في السفارة الأردنية بأبوظبي، حيث امتزجت خبرته التربوية بالدبلوماسية الثقافية.
منطقة إربد الثانية (1997 – 1999م): مديرًا للتربية والتعليم حتى تقاعده.
#ذكريات_الطفيلة_رحلة_الصبر_وبناء_الإنسان
لا ينسى "أبو ياسر" رحلته الأولى إلى الطفيلة، والتي استغرقت زهاء 15 ساعة تنقّل خلالها بين 5 وسائط نقل قديمة عبر طرق غير معبدة. وصلها ليلاً منهكًا، ليستقبله الشيخ الفاضل عوده القرعان بقهوة عربية وكلماتٍ أطفأت لظى الغربة، حين قصّ عليه حكاية صبره وكفاحه أثناء خدمته معلماً في صنعاء وتدمر إبان الحكم العثماني، فكانت تلك القصة بلسمًا ومددًا للعمري.
أقام العمري في الطفيلة نحو 15 عامًا، أحبّ أهلها وأحبّوه، ونسج معهم روابط ممتدة، وتوّج هذا الرباط بالمصاهرة؛ إذ تزوج من السيدة رباب عبدالله ذياب العوران (أم ياسر) – رحمها الله – ابنة شيخ مشايخ الطفيلة، وأنجب منها كوكبة من الأبناء: (ربى، وياسر، ويزن، ومحمد).
شخصيته وفكره: الإداري الدبلوماسي والمربي
الحليم.
يُعرف العمري بحكمته ودبلوماسيته العالية؛ فلم يُسجل عليه طوال خدمته أي قرار تعسفي. كان يستنفد كل سبل النصح والإرشاد قبل العقاب، ويمتلك قدرة استثنائية على امتصاص غضب المراجعين والاستماع للمعلمين.
كان مجلسه ثريًا بالفكر والأدب، يلتقي إبان عمله بالطفيلة قرب نافورة المدرسة الثانوية مع نخبة من القامات التربوية؛ أمثال الراحل فؤاد العوران، وعودة الله القيسي، وممدوح المحيسن، وعلي الهلول، وأحمد السهارين، يتدارسون كتب العلم والأدب التي كان يجلبها من إربد. وشهد له الشيخ أحمد الدباغ – رحمه الله – بسعة العلم وفقه الأحكام الشرعية.
أما في حياته الاجتماعية والعائلية، فهو رمزٌ من رموز عشيرة العمري العريقة، يُستشار في كل واردة وشاردة، واصلٌ لرحمه، متواضعٌ يناديه أطفال أبناء عمومته بـ (جدو) لفرط قربه وحنوه. وما زال حتى اليوم متمسكًا بأناقته الرسمية الكاملة (البذلة وربطة العنق) في كل المناسبات، محتفظًا بمكتبته الزاخرة بأمهات الكتب.
#خاتمة_ودعاء
إن سيرة الأستاذ العلامة أحمد عقلة العمري ليست مجرد محطات شغف ووظائف، بل هي تاريخ حافل يُكتب بحروف من نور، ونموذج حي للمربي الحكيم والقائد الخبير الذي بنى الإنسان قبل أن يبني المؤسسات.
نسأل الله العلي القدير أن يسبغ عليه ثوب الصحة والعافية، وأن يبارك في عمره، ويجزيه خير الجزاء عما قدم لوطنه وأمته.