ليس كل رحيل نهاية، فهناك رجال يغادرون الدنيا بأجسادهم، لكنهم يتركون وراءهم علما نافعا، وعملًا صالحا، وسيرةً طيبة. ومن هؤلاء الشيخ الداعية إبراهيم السعودي الذي أفنى عمره في طلب العلم والدعوة إلى الله، جامعا بين غزارة المعرفة وحسن الخلق والتواضع، والحرص على هداية الناس ونفعهم.
كان موسوعةً علميةً متحركة، إذا تحدث أمتعك بعلمه، وإذا ناقش أدهشك بعمق فهمه وسعة اطلاعه، ومع ذلك لم يكن علمه سببا للكبر أو التعالي، بل كان يراه أمانةً ومسؤوليةً ينبغي تسخيرها لخدمة الناس وإرشادهم للطريق الصحيح.
أفنى سنوات عمره في خدمة الدين ونشر الخير مع جماعة التبليغ والدعوة، وكانت الدعوة عنده منهج حياة، يدعو الناس إلى المحافظة على الصلاة، وإصلاح القلوب، والتوبة، ويذكّرهم بزوال الدنيا وبقاء العمل الصالح.
كانت دعوته قائمة على الرفق والمحبة، وحسن المعاملة، فكان قريبا من الناس، حنونا بالشباب، رحيما بالشيوخ، حريصًا على نصحهم، ومبادرًا إلى خدمتهم ومساعدتهم، ونحسبه من الذين قال الله فيهم
إن بعض الرجال لا يموت ذكرهم، لأنهم عاشوا للخير، وتركوا أثرا طيبا راسخا في قلوب الناس.
خرج الناس لتشييع جنازته، فاجتمع الأهل والأصدقاء وأهل العلم والدعوة، يحمل كل منهم ذكرى طيبة عنه، فكانت جنازته شاهدا على محبته ومكانته في نفوس الناس.
ولعل أعظم ما يبقى من أهل العلم علمهم النافع، وكلماتهم التي تهدي الناس وتترك أثرًا في حياتهم
بعد وفاته، نعاه الناس، واستعادوا مآثره، وذكروا علمه وتواضعه ومواقفه في الدعوة، فقد عاش نافعا، ورحل محبوبا، وترك أثرا طيبا لا يزول.
فالعلماء والدعاة لا تُقاس حياتهم بطولها، بل بما زرعوه من خير، وما تركوه من أثر في نفوس الناس ومجتمعاتهم.
لقد ترك في القلوب فراغا لا تملؤه الكلمات، وخسرت الأرض مدرسة جابت البلاد لترمم القلوب بعد الخراب، غير أن نصائحه وذكراه ستبقيان حاضرتين في نفوس من عرفوه وأحبوه.
نبكيك وفاء وحزنا على عالم وداعية كان وجوده بيننا نعمةً عظيمة.
نم قرير العين، فقد تركت قلوبا تدعو لك، وأعمالًا صالحةً نرجو أن تكون نورًا لك في قبرك، غاب جسدك، وبقي أثرك.
رحم الله من جمع بين العلم والدعوة، ونفع الناس، وجعل حياته شاهدًا على محبة الخير وخدمة الدين.
اللهم اغفر له وارحمه، وأكرم نزله، ووسّع مدخله، واجعل قبره روضةً من رياض الجنة، وانفع بعلمه، واجعل كلماته في ميزان حسناته.
اللهم اربط على قلوب أهله ومحبيه، وألهمهم الصبر والسلوان، واجمعنا به في جنات النعيم.
رحل الشيخ، لكن علمه وخيره وأثره ستظل شاهدةً له بإذن الله.